جدد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تهديداته بإنهاء عضوية الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، مرجعاً ذلك إلى تقاعس الحلفاء الأوروبيين عن دعم التحركات العسكرية في مضيق هرمز. وتأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه العلاقات الأطلسية توتراً متصاعداً، حيث يرى ترمب أن الحلف لم يعد يخدم المصالح الحيوية لبلاده بشكل كافٍ.
تثير هذه التهديدات تساؤلات قانونية معقدة حول قدرة الرئيس على اتخاذ قرار بهذا الحجم بشكل أحادي. فبينما يمنح الدستور الأمريكي الرئيس سلطة إبرام المعاهدات بموافقة مجلس الشيوخ، فإنه يظل صامتاً حيال الإجراءات المتبعة للانسحاب منها، مما يفتح الباب أمام اجتهادات قانونية متباينة.
من الناحية التاريخية، يمثل حلف شمال الأطلسي الركيزة الأساسية للأمن الغربي منذ تأسيسه عام 1949 لمواجهة التهديدات السوفيتية. وتنص المادة 13 من ميثاق الحلف على حق أي دولة في المغادرة بشرط تقديم إخطار رسمي قبل عام كامل، وهو إجراء لم يسبق لأي دولة عضو أن اتخذته منذ سبعة عقود.
في محاولة لتقييد تحركات الإدارة، أقر الكونغرس الأمريكي في عام 2023 تشريعاً يمنع الرئيس من الانسحاب من الناتو دون موافقة أغلبية الثلثين في مجلس الشيوخ. هذا القانون، الذي وقعه جو بايدن سابقاً، يهدف إلى حماية الالتزامات الدولية للولايات المتحدة من التقلبات السياسية المفاجئة في البيت الأبيض.
لكن الجدل القانوني لا يتوقف عند هذا الحد، حيث استندت إدارة ترمب في ولايتها الأولى إلى رأي قانوني من وزارة العدل يؤكد أن الرئيس يمتلك السلطة الحصرية للانسحاب من المعاهدات الدولية. ويرى مؤيدو هذا التوجه أن أي قيود يفرضها الكونغرس في هذا الشأن قد تُعتبر غير دستورية وتعدياً على صلاحيات السلطة التنفيذية.
أفادت مصادر بأن وزير الخارجية الحالي، ماركو روبيو، أشار إلى ضرورة إعادة تقييم الروابط مع الحلف في ظل المتغيرات الميدانية الأخيرة. وتأتي هذه الرؤية عقب اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران في فبراير الماضي، مما أدى إلى تبدل في أولويات واشنطن الاستراتيجية.
أكد ترمب في تصريحات صحفية أنه يدرس بجدية إعلان الانسحاب في خطاب موجه للأمة، معبراً عن استيائه العميق من أداء الحلفاء. وتزامن هذا الموقف مع رفض وزير الدفاع بيت هيغسيث تقديم تأكيدات واضحة حول التزام واشنطن بمبدأ الدفاع الجماعي، وهو ما يمثل جوهر وجود الحلف.
إذا لم يكن الرئيس والجيش ملتزمين بأمن حلف شمال الأطلسي، فلا أعتقد أن بإمكان الكونغرس فعل الكثير لمنع ذلك.
يشير خبراء استراتيجيون إلى أن غياب الالتزام السياسي والعسكري من جانب الإدارة الأمريكية قد يكون أكثر خطورة من الانسحاب القانوني الفعلي. فإذا توقفت واشنطن عن تمويل الحلف أو المشاركة في عملياته، فإن القوانين التي تحظر الانسحاب الرسمي قد تصبح مجرد نصوص بلا قيمة فعلية على الأرض.
تاريخياً، نجح رؤساء أمريكيون في الانسحاب من معاهدات دولية دون الرجوع للكونغرس، كما حدث في انسحاب ترمب من معاهدة 'السماوات المفتوحة' عام 2020. هذه السوابق تعزز موقف البيت الأبيض في أي نزاع قضائي محتمل قد يصل إلى أروقة المحكمة العليا الأمريكية.
المحكمة العليا، التي تهيمن عليها أغلبية محافظة، لم يسبق لها أن فصلت في قضية تتعلق بمدى قانونية انسحاب الرئيس من معاهدة دولية. ويرى مراقبون أن المحكمة قد تميل لدعم صلاحيات الرئيس في إدارة السياسة الخارجية، مما يضعف من موقف المعارضين في الكونغرس.
علاوة على القيود السياسية، تضمن قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2024 بنوداً تمنع إنفاق أي أموال فيدرالية لتسهيل عملية الانسحاب من الناتو. هذا العائق المالي يمثل أداة ضغط إضافية يستخدمها المشرعون لمحاولة عرقلة طموحات ترمب في تفكيك التحالفات التقليدية.
على الصعيد الدولي، تترقب العواصم الأوروبية بقلق بالغ هذه التطورات، حيث يمثل الانسحاب الأمريكي المحتمل نهاية للمظلة الأمنية التي استمرت لعقود. وتتزايد الدعوات داخل أوروبا لتعزيز القدرات الدفاعية الذاتية بعيداً عن الاعتماد الكلي على الدعم العسكري من واشنطن.
يرى ماكس بيرجمان، المسؤول السابق في الخارجية أن قدرة الكونغرس على منع الرئيس من تقويض الحلف تظل محدودة في الواقع العملي. فالتزام القائد الأعلى للقوات المسلحة هو المحرك الأساسي لأي تحالف عسكري، وبدونه يفقد الحلف قدرته على الردع والتحرك الفعال.
في نهاية المطاف، تبقى المعركة حول مستقبل الناتو معركة سياسية وقانونية في آن واحد، حيث يسعى كل طرف لفرض رؤيته لمكانة أمريكا في العالم. وبينما يتمسك الكونغرس بالقوانين، يراهن ترمب على صلاحياته الدستورية وتفويضه الشعبي لإعادة صياغة التحالفات الدولية لبلاده.





Share your opinion
تهديدات ترمب بالانسحاب من 'الناتو': صراع الصلاحيات بين البيت الأبيض والكونغرس