كشف تقرير اقتصادي حديث عن تحول جذري في هيكلية التجارة العالمية، حيث باتت 'قوة النفوذ' هي المحرك الأساسي بدلاً من القواعد الدولية المتفق عليها. وأوضحت مصادر صحفية أن القطبين الاقتصاديين، الصين والولايات المتحدة، هما المستفيدان الأكبر من هذا الواقع الجديد، بينما تجد الدول الصغيرة والمتوسطة نفسها ضحية لنظام يتسم بـ 'قانون الغاب'.
وخلال اجتماع منظمة التجارة العالمية الذي عُقد مؤخراً في العاصمة الكاميرونية ياوندي، برز خطاب صيني يدعو إلى ما وصفه بـ 'الاستقرار في عالم متصدع'. وحذر وزير التجارة الصيني، وانغ وينتاو، الوفود المشاركة من أن تقويض أسس المنظمة سيؤدي حتماً إلى عودة النظام العالمي لمرحلة تسود فيها الغلبة للأقوى فقط، بعيداً عن أي معايير عادلة.
في المقابل، يرى مراقبون أن الدبلوماسية الصينية تبرع في تقديم مبادئ مثالية لإخفاء ممارسات اقتصادية تثير حفيظة الدول التي تعاني من عجز تجاري هائل مع بكين. ووصف دبلوماسيون غربيون الخطاب الصيني بأنه نوع من 'التضليل النفسي'، حيث تحاول بكين تقديم نفسها كحامٍ للنظام الدولي بينما تستفيد من ثغراته بشكل مكثف.
وتشير التقارير إلى أن الاستراتيجية الصينية تعتمد على الهدوء والتحرك المتخفي، بخلاف النهج الأمريكي الصريح الذي يقوده دونالد ترامب لتقويض النظام التجاري متعدد الأطراف. وبينما تعمل واشنطن على تحطيم الحواجز القديمة بفرض رسوم جمركية شاملة، تتمسك بكين علناً بنهج وسطى وبناء لإنقاذ المنظمة من التهميش التام.
ومع ذلك، تؤكد إدارة ترامب أن النظام الحالي فشل في معالجة قضايا جوهرية مثل فائض الإنتاج والدعم الحكومي الصيني الضخم المستمر منذ عام 2001. وتظهر بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن الدعم الذي تقدمه بكين لشركاتها يتجاوز مستويات الدول الأعضاء الأخرى بنحو ثلاث إلى تسع مرات، وغالباً ما يتم عبر قروض ميسرة.
من جانبه، وجه ممثل التجارة الأمريكي، جاميسون غرير، إنذاراً شديد اللهجة خلال اجتماعات ياوندي، مؤكداً أن الوضع الراهن أصبح غير قابل للاستمرار اقتصادياً ومرفوضاً من الناحية السياسية. ووضع غرير المنظمة أمام تحدٍ حاسم يتعلق بفرض الرسوم على التحويلات الإلكترونية، معتبراً أن الفشل في هذا الملف يعني عدم القدرة على تحقيق نتائج في قطاعات أخرى.
وأفادت مصادر مطلعة بأن منظمة التجارة العالمية فشلت بالفعل في هذا الاختبار التاريخي، حيث انتهى مفعول الحظر الخاص بالتجارة الإلكترونية دون التوصل لاتفاق جديد. كما تعثرت جهود اعتماد خارطة طريق للإصلاح، وهي الخطوة التي كان من المفترض أن تعزز آليات المنظمة في التصدي لسياسات الدعم غير العادل والممارسات التجارية المشوهة.
غياب قواعد منظمة التجارة العالمية سيعيد النظام التجاري العالمي إلى قانون الغاب حيث تسود الغلبة للأقوى.
هذا الفشل المؤسسي يكرس واقعاً جديداً يزدهر فيه القطبان الكبيران اللذان يرفضان القيود الدولية، مما يترك القوى المتوسطة مثل بريطانيا وفرنسا في حالة من القلق. وقد وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هذا الوضع بأنه يمثل 'اختلالات غير محتملة' تهدد قطاعات حيوية مثل صناعة الصلب وتقنيات الطاقة الخضراء.
وعلى الرغم من تراجع الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة بنسبة تقارب 30% نتيجة السياسات الحمائية، إلا أن الفائض التجاري لبكين يواصل التضخم بشكل ملحوظ. وبدأت الأسواق في جنوب شرق آسيا وأفريقيا وأوروبا باستيعاب هذا الفائض، مما يزيد من الضغوط الاقتصادية على المنتجين المحليين في تلك المناطق.
ويرى وزير الأعمال والتجارة البريطاني، بيتر كايل أن مواجهة هذا التحدي تتطلب إما فرض تعريفات جمركية حمائية أو انتزاع فرص حقيقية للوصول إلى السوق الصينية. وأكد كايل أن العالم يدخل مرحلة جديدة من الصراع التجاري تتطلب أدوات مختلفة تماماً عما كان معمولاً به في العقود الماضية لضمان التوازن.
أما بالنسبة للدول النامية والاقتصادات الصغيرة، فإن المشهد يبدو أكثر قتامة وصعوبة في ظل غياب الحماية الدولية. وعبر سفير باربادوس لدى المنظمة، ماثيو ويلسون، عن خيبة أمل عميقة، مشيراً إلى أن كل ضربة يتلقاها النظام المتعدد الأطراف تزيد من هشاشة الدول التي لا تملك أدوات ضغط اقتصادية.
إن المبادئ التأسيسية التي قامت عليها منظمة التجارة العالمية، والمتمثلة في المعاملة المتساوية وحماية الأطراف الأضعف، بدأت تتلاشى أمام المصالح القومية الضيقة. وما حدث في اجتماعات ياوندي يعكس بوضوح أن العالم يتجه نحو نظام تجاري مجزأ تحكمه الاتفاقيات الثنائية ومنطق القوة الاقتصادية البحتة.
وفي الختام، يبدو أن 'الغابة' التجارية الجديدة لن ترحم من لا يملك مخالب اقتصادية قوية، حيث تتراجع سلطة القانون الدولي لصالح صفقات القوى العظمى. ويبقى السؤال المطروح حول قدرة المؤسسات الدولية على استعادة دورها قبل أن يتحول التنافس التجاري إلى نزاعات أوسع تهدد الاستقرار الاقتصادي العالمي برمته.





Share your opinion
قانون الغاب يسيطر على التجارة العالمية: القوى الكبرى تتقاسم النفوذ والدول الصغيرة تدفع الثمن