يدور نقاش واسع في الأوساط السياسية حول قدرة إسرائيل على فرض سيطرتها المطلقة على المنطقة في أعقاب المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران. إن هذا الطرح يختزل تعقيدات المنطقة وتاريخ شعوبها في صورة ساذجة، متجاهلاً أن القوة العسكرية مهما بلغت سطوتها لا تضمن استقراراً دائماً. فالتفوق التقني والدعم الدولي يمنحان القدرة على التدمير والقصف، لكنهما لا يصنعان بالضرورة واقعاً سياسياً مستداماً يقبله الملايين من سكان المنطقة.
لقد أثبتت التجارب التاريخية المعاصرة أن السيطرة الحقيقية تكمن في إدارة البشر وليس مجرد احتلال الجغرافيا. ففي العراق وأفغانستان، عجزت القوى العظمى عن فرض استقرار طويل الأمد رغم إنفاق موارد هائلة وتدمير الأنظمة القائمة. هذا الفشل يوضح بجلاء أن التفوق العسكري لا يتحول تلقائياً إلى هيمنة، خاصة عندما يصطدم بإرادة شعوب ترفض التنازل عن هويتها وحقها في تقرير المصير.
وبالنظر إلى التجربة الإسرائيلية، نجد أن تل أبيب اصطدمت بهذا الواقع مراراً في جنوب لبنان وقطاع غزة. فرغم سنوات الاحتلال والحصار والعمليات العسكرية المتلاحقة، لم تنجح القوة العسكرية في إخضاع المجتمع أو إنهاء روح المقاومة. إن ما أنجزته الآلة الحربية من دمار لم يترجم إلى انتصار سياسي ناجز، بل تحول إلى استنزاف مستمر للقوة البشرية والمادية الإسرائيلية أمام صمود شعبي صلب.
تتزامن هذه القراءة مع تطورات ميدانية خطيرة منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير الماضي، حيث تسعى واشنطن لكبح الطموحات النووية الإيرانية وتجنب الانزلاق لحرب شاملة. وفي المقابل، تصر تل أبيب على تدمير القدرات العسكرية الإيرانية بالكامل كشرط لأمنها القومي. هذا التباين في الأهداف بين الحليفين يضعف من فرص صياغة مشروع سيطرة موحد وقابل للتطبيق على المدى البعيد في ظل تشابك المصالح الإقليمية.
السيطرة تعني القدرة على إدارة البشر، لا فقط إخضاع الأرض؛ فالأرض يمكن احتلالها بالدبابات، لكن الشعوب لا تُحكم بالقوة وحدها إلى الأبد.
على الصعيد الدبلوماسي، برز مقترح أمريكي مكون من 15 بنداً نُقل عبر وساطة باكستانية لإنهاء الصراع، إلا أن طهران تضع شروطاً سيادية قاسية. تشمل هذه المطالب وقف الاغتيالات والاعتراف بسيادتها على مضيق هرمز، مع ربط أي اتفاق بوضع لبنان الإقليمي. هذه التعقيدات تؤكد أن المنطقة ليست فراغاً يمكن ملؤه بسهولة، بل هي ساحة تعج بالقوى والجماعات التي تملك حسابات مستقلة تمنع انفراد طرف واحد بالقرار.
اقتصادياً، ألقت الحرب بظلالها الثقيلة على دول الجوار، حيث سجلت احتياطيات الذهب التركية تراجعاً حاداً بمقدار 50 طناً، وهو الأكبر منذ سنوات. كما بلغت مبيعات العملات الأجنبية أرقاماً قياسية لمواجهة تداعيات النزاع، مما يعكس حجم الاستنزاف المالي الذي يرافق المشاريع العسكرية. إن الضعف الاقتصادي والانقسام السياسي قد يعطيان انطباعاً زائفاً بإمكانية السيطرة، لكنه يظل فراغاً نسبياً لا يرتقي لمستوى الهيمنة المكتملة.
في الختام، يبقى الإنسان هو العنصر الأهم في معادلة الصراع التي يتجاهلها الكثير من المحللين. إن الاستسلام لفكرة الحتمية الإسرائيلية في السيطرة يمثل هزيمة ذهنية تسبق الهزيمة السياسية، حيث يحول الشعوب إلى مجرد متفرجين. الحقيقة التاريخية تؤكد أن القوة العسكرية قد تفرض واقعاً مؤلماً ومؤقتاً، لكنها تعجز عن خلق شرعية أو استقرار دون قبول شعبي، وهو ما يجعل مشروع الهيمنة الشاملة مستحيلاً في ظل الوعي الراهن.





Share your opinion
حدود القوة العسكرية: هل تنجح إسرائيل في فرض هيمنتها الإقليمية بعد حرب إيران؟