يفرض الموقع الجيوسياسي لسوريا عبئاً ثقيلاً على صانع القرار في دمشق مع اشتعال نيران الحرب في المنطقة، والتي تدور رحاها بين أطراف تسعى لاستخدام كافة أوراقها لإعادة تشكيل موازين القوى. وتركز السلطات السورية حالياً على إدارة التداعيات المباشرة لهذه الحرب عبر إجراءات ميدانية مكثفة.
نفذ الجيش السوري عمليات انتشار واسعة على الحدود مع العراق ولبنان بهدف معلن وهو ضبط الحدود ومنع عمليات التسلل ونقل السلاح. وتأتي هذه الخطوات لسد أي ذرائع قد تتذرع بها إسرائيل لخلط الأوراق وتحقيق أهداف جيوسياسية داخل الأراضي السورية تحت غطاء عملياتها العسكرية.
تتخوف دمشق من مساعي إسرائيلية لتوسيع المنطقة العازلة في جنوب لبنان لتشمل أجزاء من جنوب سوريا، وتحديداً المنطقة الممتدة من جبل الشيخ وصولاً إلى ريف دمشق الغربي. هذا التوسع المحتمل يمثل تهديداً مباشراً للسيادة السورية ويزيد من تعقيد المشهد الميداني المشتعل أصلاً.
لا يقتصر القلق السوري على التحركات الإسرائيلية فحسب، بل يمتد لاستشعار مخاطر أمنية قد تسببها أذرع إيران في المنطقة. وتخشى السلطة في دمشق من قيام حزب الله بالتنسيق مع أطراف داخلية لتنفيذ أعمال أمنية تهدد استقرار النظام الحالي وفرض واقع جديد على الحدود.
من الناحية النظرية، يبدو من غير المرجح أن تتبنى دمشق دوراً هجومياً في هذه المرحلة نظراً لهشاشة المؤسسات العسكرية والأمنية التي لا تزال قيد البناء. الانخراط في حرب خارجية قد يؤدي إلى انهيار الترتيبات الداخلية التي أقامتها السلطة بصعوبة بالغة خلال الفترة الماضية.
تبرز تركيا كلاعب أساسي يسعى لضبط إيقاع التوتر في الإقليم ومنع خروج التداعيات عن السيطرة. وقد أفادت مصادر بأن أنقرة وجهت نصائح وتحذيرات لدمشق بضرورة عدم الانجرار وراء أي عمل عسكري تجاه لبنان أو حزب الله في الوقت الراهن.
رغم التحذيرات، قد تجد السلطة السورية في الحرب الحالية فرصة استراتيجية لإنهاء شبح النفوذ الإيراني الذي يمثله حزب الله وامتداداته العراقية. فالتفكير الاستراتيجي قد يحتم انتهاز لحظة ضعف المحور الإيراني عسكرياً ونفسياً للانقضاض على شبكاته المتبقية في البلاد.
دمشق تقف اليوم على عتبة الانخراط في الحرب الدائرة، حيث تتصارع حسابات المكاسب الاستراتيجية مع مخاطر الانزلاق في فوضى إقليمية غير محسومة النتائج.
تتعزز هذه التوجهات برغبة دمشق في إثبات كونها جزءاً من المحيط العربي الذي يستهدفه نفوذ الأذرع الإيرانية. وترى السلطة السورية أن القضاء على مفاعيل حزب الله قد يكون وسيلة لرد الدين للدول الخليجية التي تدعم استقرار الدولة السورية ومؤسساتها.
هناك مخاوف حقيقية من تورط دمشق في الصراع اللبناني الداخلي، خاصة مع تصاعد التوتر بين الطوائف اللبنانية. وتحاول بعض الأطراف في بيروت الاستقواء بالورقة السورية كأداة ردع ضد حزب الله، مما قد يجر الجيش السوري لمواجهة غير مباشرة.
إن حالة السيولة الأمنية على الحدود تفرض على دمشق اتخاذ قرارات حاسمة بشأن هويتها الإقليمية القادمة. فإما الاستمرار في سياسة النأي بالنفس التي تضمن بقاء المؤسسات الهشة، أو المغامرة بالانخراط في صراع قد يغير وجه المنطقة بالكامل.
تشير القراءات السياسية إلى أن دمشق باتت على أعتاب الانخراط الفعلي في الجانب اللبناني من الحرب، مدفوعة بضغوط فاعلين دوليين وإقليميين. هذه الخطوة، رغم مخاطرها، تحمل إغراءات كبيرة لتحقيق مكاسب سياسية وميدانية كانت بعيدة المنال قبل اندلاع المواجهة.
يبقى التحدي الأكبر أمام صانع القرار السوري هو كيفية الموازنة بين الحفاظ على السردية السياسية أمام الرأي العام وبين الضرورات الأمنية الملحة. فالدخول في مواجهة مع حزب الله قد يفسر كخدمة مجانية لإسرائيل، وهو ما تحاول دمشق تجنبه إعلامياً.
إن استعادة الدولة السورية لوظيفتها السيادية بعيداً عن سيطرة الميليشيات العابرة للحدود تتطلب السيطرة الكاملة على الممرات اللوجستية. وهذا الهدف يصطدم مباشرة مع استراتيجية إيران التي تعتبر سوريا جسراً حيوياً لإمداد حلفائها في المنطقة بالعتاد والسلاح.
في الختام، يظل الموقف السوري رهناً بتطورات الميدان في لبنان وغزة، وبمدى قدرة الأطراف الدولية على صياغة اتفاق شامل. وبدون هذا الاتفاق، ستظل دمشق تتأرجح بين خيار الصمت الحذر وبين الانخراط الاضطراري في حرب قد تعيد رسم حدود النفوذ في الشرق الأوسط.





Share your opinion
تحديات الموقف السوري: هل تنجح دمشق في النأي بنفسها عن الصراع الإقليمي؟