بالنسبة للروائي البريطاني بنيامين وود، لا تتوقف القراءة عند حدود التسلية العابرة، بل هي تجربة وجودية عميقة صاغت ملامح شخصيته ووعيه العاطفي والاجتماعي. يرى وود أن الكتب تمثل أداة جوهرية لاستكشاف الذات وفهم تعقيدات العلاقات الإنسانية، حيث ترافقه النصوص في محطات حياته الكبرى.
وفي حديث أدبي موسع، كشف وود عن قدرة الأدب على إحداث هزات عاطفية لا تُمحى من الذاكرة، مستحضراً تجربته الأولى مع رواية «الحصان الأحمر» لجون ستاينبك. تلك الرواية كانت الشرارة الأولى التي جعلته يدرك قوة الكلمات في تجسيد المشاعر والمشاهد الطبيعية بدقة مذهلة أبكته طويلاً.
تعلم الكاتب البريطاني من خلال رحلته المبكرة أن القصص ليست مجرد حكايات، بل هي مختبرات حقيقية للتجارب البشرية ومرايا تعكس واقع الحياة. هذه الرؤية جعلته يؤمن بأن الأدب يمتلك القدرة الفريدة على غرس قيم التعاطف وإعادة تعريف إدراكنا للمحيط الذي نعيش فيه.
وعن التحولات التي طرأت على ذائقته، أوضح وود أن تجربة الأبوة كانت نقطة تحول مفصلية في تعامله مع النصوص الأدبية. فقد منحه دور الأب قدرة متجددة على الاستيعاب العاطفي، مما جعله يرى أبعاداً خفية في الكتب التي قرأها سابقاً ولم يدرك عمقها حينها.
ويضرب وود مثالاً برواية «جليد» للمؤلفة مارلين روبنسون، التي أعاد قراءتها بعد أن أصبح أباً، ليكتشف فيها شحنات عاطفية هائلة في رسائل الأب لابنه. هذا التواصل الوجداني مع النص لم يكن متاحاً له قبل خوض تجربة الأبوة، مما يؤكد أن القراءة تتطور بتطور الإنسان.
لم تقتصر اهتمامات وود على الروايات الطويلة، بل وجد ضالته في القصص القصيرة التي تبرع في تكثيف التعقيد الإنساني. وأشاد بمجموعة «شرب القهوة في مكان آخر» للكاتبة زد زد باكر، معتبراً إياها نموذجاً للحساسية النفسية العالية في تناول علاقات الآباء والأبناء.
وفي جانب يتسم بالصراحة النقدية، لم يتردد وود في الحديث عن خيبات الأمل الأدبية، مشيراً إلى رواية «الساحر» لجون فاولز. فقد أثارت نهايتها غضبه لدرجة دفعته لرمي الكتاب على الحائط، في مفارقة تعكس حبه الشديد للكتاب وإحباطه من مساره في آن واحد.
الأدب قادر على إحداث صدمة عاطفية تبقى راسخة في الذاكرة، والقصص قادرة على تعليم التعاطف وإعادة تشكيل فهمنا للعالم.
ومع نضجه الأدبي، استمر وود في اكتشاف عوالم روائية جديدة لم تكن مألوفة لديه في السابق، مثل أعمال غايل جونز. فقد توقف طويلاً عند رواية «كورجوريدا» التي تستعرض ببراعة أثر الصدمات الموروثة عبر الأجيال، متنقلة بين الماضي والحاضر بأسلوب سردي مؤثر.
كما لفت الكاتب إلى رواية «سلوكيات سيئة» لأغنس أوينز، التي كانت بوابته لاستكشاف مؤلفين جدد في مرحلة متأخرة من مسيرته. هذه الاكتشافات المستمرة تؤكد أن المكتبة الإنسانية تظل مفتوحة دائماً على مفاجآت تغير مسار التفكير الأدبي لدى القارئ والكاتب معاً.
وفي لحظات البحث عن السكينة، يلجأ بنيامين وود إلى ما يسميه «البطانية الأدبية»، وهي كتب تمنحه الطمأنينة والراحة النفسية. وخص بالذكر أعمال توبياس وولف مثل «المدرسة القديمة»، وجيمس م. كين في روايته الشهيرة «ميلدريد بيرس»، حيث يجد فيهما ملاذاً من ضغوط الحياة.
تظهر تجربة وود أن العلاقة بين الإنسان والكتاب هي علاقة نمو متبادل، حيث يسهم الأدب في تشكيل النضج العاطفي للفرد. القراءة هنا ليست ترفاً، بل هي رحلة فكرية متواصلة تندمج فيها الذكريات الشخصية مع الخيال لتصيغ فهماً أعمق للذات وللآخرين.
هذه الرؤية العميقة للقراءة لا تبدو غريبة عن التراث الأدبي العربي، حيث تتقاطع مع أفكار كبار الأدباء مثل طه حسين. فقد آمن الرواد العرب بأن الكتابة والقراءة هما أداتان لفهم المجتمع ومواجهة التحديات النفسية والعاطفية التي تفرضها الحياة اليومية.
إن الربط بين التجربة الحياتية اليومية والعمل الأدبي هو ما يمنح القصص خلودها وتأثيرها العابر للحدود. فالروايات في نهاية المطاف هي مساحات لاستيعاب العالم، وتعليم البشر كيف يتعاطفون مع بعضهم البعض من خلال مشاركة الآلام والآمال الإنسانية.
يُعرف بنيامين وود في الأوساط الثقافية بأسلوبه الناقد والعميق، وقدرته الفائقة على سبر أغوار الشخصيات المعقدة. وباعتباره صوتاً مهماً في المشهد الأدبي المعاصر، تظل شهادته حول القراءة مرجعاً ملهماً لفهم التداخل الوثيق بين الفن والواقع والتجربة الإنسانية.





Share your opinion
بنيامين وود: كيف تعيد الأبوة صياغة علاقتنا بالأدب والقراءة؟