Fri 27 Mar 2026 10:43 am - Jerusalem Time

عري القوة وفضيحة الإنسان

حين تتحول السجون من فضاءات احتجاز قانوني إلى مختبرات للإذلال المنهجي، فإننا لا نكون أمام مجرد انتهاك عابر، بل أمام بنية نفسية وسياسية متكاملة تعيد تعريف السلطة عبر نزع الإنسان من إنسانيته. هكذا تبدو مشاهد تعذيب الأسرى الفلسطينيين وتصويرهم عراة؛ ليست فقط ممارسات قمعية، بل طقوسا رمزية تهدف إلى إعادة تشكيل العلاقة بين السجان والضحية، بين القوة والكرامة، بين الجسد والمعنى.

في المستوى الظاهر، يبدو التعري القسري أداة إذلال مباشر. غير أن القراءة السيكولوجية الأعمق تكشف أن السجان لا يسعى فقط إلى كسر إرادة الأسير، بل إلى إعادة إنتاج ذاته ككائن متفوق. إن تصوير الأسير عاريا ليس توثيقا، بل إعلان سيطرة؛ هو خطاب بصري موجه للذات قبل الآخر، يقول فيه السجان: أنا من يملك تعريف الجسد، ومن يحدد حدوده، ومن يعيد صياغة رمزيته.

من زاوية علم النفس الاجتماعي، يمكن فهم هذه الممارسات ضمن ما يعرف بآلية "نزع الإنسانية". حين يتم تجريد الإنسان من ملابسه، ومن اسمه، ومن خصوصيته، فإنه يتحول في وعي المعتدي إلى موضوع، إلى شيء يمكن التحكم فيه دون شعور بالذنب. هنا تتعطل آليات التعاطف، ويحل محلها منطق أداتي بارد، يرى في الضحية وسيلة لتأكيد الهيمنة. إن السجان، في هذه اللحظة، لا يرى إنسانا، بل مرآة تعكس سلطته.

غير أن المفارقة تكمن في أن هذا السلوك يكشف هشاشة داخلية عميقة. فالحاجة إلى إذلال الآخر بهذا الشكل الفج تدل على قلق وجودي لدى المعتدي. إن القوة الحقيقية لا تحتاج إلى استعراض عار الجسد، بل إلى ضبط الذات. أما حين يصبح التعذيب عرضا، والتصوير طقسا، فإننا أمام سلطة قلقة، تبحث عن تأكيد دائم لهيمنتها لأنها تشك في ثباتها.

في هذا السياق، تلعب الجماعة دورا حاسما. السجان لا يعمل في فراغ، بل ضمن منظومة تشجعه وتكافئه. هنا تتجلى ظاهرة "التطبيع مع العنف"، حيث تتحول الممارسات الشاذة إلى سلوك عادي، بل إلى مصدر فخر داخل الجماعة. إن الضحك، أو التباهي بالصور، أو تداولها، كلها مؤشرات على انزلاق أخلاقي جماعي، لا يمكن فصله عن البنية السياسية التي تنتجه وتبرره.

أما تصوير الأسرى عراة، فهو يحمل بعدا إضافيا يتعلق بالسيطرة الرمزية. الصورة هنا ليست فقط وسيلة توثيق، بل أداة لإعادة إنتاج الهيمنة خارج حدود السجن. إنها رسالة موجهة إلى المجتمع الفلسطيني: هذا ما يمكن أن يحدث لأي جسد مقاوم. وفي الوقت ذاته، هي رسالة داخلية تعزز تماسك الجماعة المعتدية عبر مشاركة "إنجاز" مشترك، حتى لو كان هذا الإنجاز قائما على الإذلال.

من منظور التحليل النفسي، يمكن قراءة هذه الممارسات أيضا كنوع من الإسقاط. فالسجان، الذي يعيش ضمن منظومة صراع دائم، قد يحمل في داخله مشاعر خوف أو تهديد. بدل مواجهة هذه المشاعر، يقوم بإسقاطها على الضحية، فيحولها إلى موضوع للسيطرة. التعري هنا يصبح محاولة لتجريد الآخر من أي قدرة على التهديد، حتى لو كانت رمزية.

غير أن الجسد، رغم كل شيء، يحتفظ بمعناه. فالعري الذي يراد له أن يكون أداة إذلال، قد يتحول في وعي الضحية إلى لحظة كشف عنف المعتدي. هنا تنقلب المعادلة؛ يصبح الجسد العاري شاهدا، لا على ضعف صاحبه، بل على انحطاط من عراه. وهذه المفارقة هي ما يجعل هذه الممارسات، رغم قسوتها، تحمل في طياتها بذور فضحها.

إن ما يحدث في هذه السجون ليس معزولا عن سياق أوسع، حيث تتداخل السياسة مع النفس، والسلطة مع الهوية. فالسجان لا يتصرف فقط كفرد، بل كامتداد لمنظومة ترى في الآخر تهديدا وجوديا. وفي مثل هذه الحالات، يصبح العنف وسيلة لإعادة تعريف الذات، حتى لو كان ذلك على حساب إنسانية الآخر.

ومع ذلك، فإن التاريخ يعلمنا أن مثل هذه الممارسات، مهما بلغت قسوتها، لا تستطيع أن تلغي الكرامة الإنسانية. قد تنجح في إلحاق الأذى، في كسر الأجساد، في ترك ندوب نفسية عميقة، لكنها تفشل في القضاء على المعنى. فالمعنى لا يسكن الجسد وحده، بل يتجذر في الوعي، في الذاكرة، في القدرة على تحويل الألم إلى شهادة.

في النهاية، تكشف هذه الظاهرة عن حقيقة مزدوجة؛ من جهة، عن عنف منظومة تسعى إلى الهيمنة عبر الإذلال، ومن جهة أخرى، عن هشاشة هذه الهيمنة نفسها. فكلما احتاجت السلطة إلى تعرية الآخر لتأكيد قوتها، كانت في الواقع تعري ذاتها أمام العالم. وهنا، يتحول السؤال من ماذا يحدث للأسرى؟ إلى ماذا يحدث للإنسان حين يفقد قدرته على رؤية إنسانية الآخر؟

إن الإجابة، رغم قسوتها، ضرورية. لأنها لا تتعلق فقط بواقع سياسي محدد، بل بمستقبل القيم الإنسانية ذاتها. فحين يصبح العري أداة سلطة، يصبح الصمت شريكا، وتصبح الكرامة مسؤولية جماعية، لا تقبل التأجيل ولا التبرير.

Tags

Share your opinion

عري القوة وفضيحة الإنسان

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.