Wed 25 Mar 2026 6:33 am - Jerusalem Time

دروس المواجهة: كيف أعادت التجربة الإيرانية صياغة مفهوم السيادة والتكنولوجيا؟

قدمت المواجهة الأخيرة بين إيران والعدوان الأمريكي الإسرائيلي دروساً بليغة تتجاوز الشعارات الحماسية، حيث أثبتت التجربة الميدانية إمكانية مقارعة القوى الكبرى وتحقيق الصمود. هذه التجربة فتحت آفاقاً واسعة أمام دول الجنوب لإدراك أن امتلاك المعرفة والقوة هو السبيل الوحيد لاستكمال السيادة السياسية والاقتصادية بعيداً عن الإذعان للنظام العالمي الذي يحاول احتكار التكنولوجيا.

أولى هذه الدروس تتمثل في القدرة على التحكم في أرقى أنواع التكنولوجيا بالإمكانيات المحلية المتاحة رغم الحصار. إن اختراق منظومات دفاعية معقدة مثل 'القبة الحديدية' و'ثاد' و'مقلاع داود' لم يكن ليتحقق لولا التفوق في أنظمة الدفع الصاروخي والتوجيه عبر الأقمار الصناعية، مما يثبت أن التكنولوجيا تُنتزع انتزاعاً ولا تُمنح كالهبات.

وعلى صعيد الطاقة، أظهرت التجربة أن النفط والغاز يمكن تحويلهما من موارد يخشى أصحابها عليها إلى سلاح ردع يخشاه العالم أجمع. وبما أن الدول الصناعية الكبرى تملك بنية تحتية معقدة تعتمد كلياً على الطاقة، فإن أي تهديد لهذه الإمدادات يقلب المعادلة ويجعل القوى العالمية هي الطرف الأكثر تضرراً من عدم الاستقرار.

كما حذرت التجربة من مخاطر التعويل على القواعد العسكرية الأجنبية، معتبرة إياها تهديداً مباشراً للسيادة والأمن الوطنيين. فالتضحية الحقيقية تنبع من أبناء الوطن الذين يواجهون الموت دفاعاً عن أرضهم، بينما لا يمكن للقوى الأجنبية أن تحمي سيادة دولة لا تنتمي إليها، مما يجعل خلو الدول من هذه القواعد وسيلة الدفاع الأنجع.

وفيما يخص الشأن الداخلي، أثبتت الأحداث أن أي قوى معارضة ترهن قرارها بالدعم الأجنبي لن تحصد سوى الفشل وفقدان المصداقية الشعبية. لقد تكررت الوعود الأمريكية بالدعم والتدخل لصالح تحركات داخلية، لكنها كانت تنتهي دائماً بالتخلي عن تلك الأطراف بمجرد تغير المصالح السياسية، مما يكرس حتمية الاعتماد على الحاضنة الوطنية.

الموقع الجيواستراتيجي والمساحة الجغرافية الشاسعة ظهرا كعناصر قوة حاسمة في إدارة الصراع، حيث عززت هذه العوامل من الموقف التفاوضي الإيراني. ويجب على الدول العربية والإفريقية إعادة النظر في جغرافيتها كعامل قوة إضافي في سلم الردع، بدلاً من التعامل مع المساحات الواسعة والمواقع الحساسة كأعباء استراتيجية تتطلب حماية خارجية.

أخيراً، كشفت هذه المواجهة عن تصدعات واضحة في وحدة الغرب الرأسمالي، حيث لم يعد الحلف الأطلسي كتلة صماء خلف القيادة الأمريكية. هذا التباين في المواقف تجاه القوى الصاعدة مثل روسيا والصين يمنح دول الجنوب فرصة لبلورة سياسات مستقلة تستفيد من التعددية القطبية الناشئة في النظام الدولي الجديد.

Tags

Share your opinion

دروس المواجهة: كيف أعادت التجربة الإيرانية صياغة مفهوم السيادة والتكنولوجيا؟

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.