فقدت الأمة الإسلامية والأوساط الأكاديمية العالمية، الفيلسوف والمفكر الماليزي البارز محمد نقيب العطاس، الذي وافته المنية عن عمر ناهز 94 عاماً. ويُعد الراحل واحداً من أعمق علماء عصره الذين جمعوا بين العلوم الشرعية التقليدية والدراسات الفلسفية والميتافيزيقية الحديثة، مما جعله مرجعاً فكرياً فريداً في صياغة الهوية الحضارية للمسلمين.
ونعى رئيس وزراء ماليزيا، أنور إبراهيم، الفقيد واصفاً رحيله بـ 'الخسارة الفادحة'، ومشيراً إلى دوره الاستثنائي في إصلاح التعليم والدراسات الإسلامية. كما أصدر مشيخة الأزهر الشريف بياناً أكدت فيه أن العطاس كان علماً من أعلام الفكر الحديث، وأسهمت مؤلفاته في إثراء النقاشات حول قضايا الهوية والنهضة.
ولد العطاس عام 1931 في مدينة بوغور بإندونيسيا، وينتمي لعائلة عريقة يمتد نسبها إلى السادة البعلاويين في حضرموت. نشأ في بيئة علمية وسيادية، حيث جمعت أسرته بين الجذور العربية والنبالة الجاوية، مما منحه تركيبة ثقافية ثرية انعكست لاحقاً على شمولية أطروحاته الفكرية وتعدد لغات بحثه.
بدأت مسيرة الراحل المهنية بشكل لافت في السلك العسكري، حيث التحق بالفوج الماليزي الملكي واختير للدراسة في الأكاديمية العسكرية الملكية 'ساندهيرست' ببريطانيا في الخمسينيات. إلا أن شغفه بالفلسفة والتصوف دفعه للاستقالة من منصبه العسكري والتوجه نحو التحصيل الأكاديمي في جامعة مالايا ثم جامعة ماكجيل في كندا.
يعتبر العطاس الرائد الأول لفكرة 'أسلمة المعرفة'، وهو المشروع الذي طرحه بمنهجية خلال المؤتمر العالمي الأول للتعليم الإسلامي بمكة عام 1977. وتقوم رؤيته على ضرورة تجريد العلوم الحديثة من افتراضاتها المادية العلمانية، وإعادة دمجها في إطار قيمي يعتبر الروح والخالق هما المرجعان الأساسيان للوجود.
أسس العطاس المعهد الدولي للفكر والحضارة الإسلامية (ISTAC) في كوالالمبور عام 1987، والذي افتتحه مهاتير محمد رسمياً عام 1991. ولم يكن المعهد مجرد صرح أكاديمي، بل كان تجسيداً لرؤية العطاس الفنية، حيث أشرف بنفسه على تصميمه المعماري المستوحى من الفنون الأندلسية والملايوية.
أثرى المكتبة الإسلامية بأكثر من 27 مؤلفاً باللغتين الإنجليزية والملايوية، تناولت التصوف وعلم الكونيات والميتافيزيقا. ويُصنف كتابه 'مقدمات لميتافيزيقا الإسلام' الصادر عام 1995 كأنضج أعماله الفلسفية، حيث قدم فيه تحديداً شاملاً للرؤية الإسلامية للواقع والوجود خارج الأطر الغربية.
إن رحيل العطاس خسارة فادحة للأمة والعالم، فقد كان علماً من أعلام الفكر الذين اشتغلوا على سؤال النهضة بكل جدية وعمق.
تميزت أطروحات العطاس بنقد حاد للحضارة الغربية، التي رآها في حالة 'صيرورة' مستمرة دون بلوغ حالة 'الوجود' المطلق. وحذر في كتاباته من انسياق المؤسسات التعليمية الإسلامية وراء التوجهات الغربية دون وعي، معتبراً أن ذلك يؤدي إلى ضياع الغايات الروحية السامية للإنسان.
حصل الراحل على تكريمات دولية رفيعة، منها عضوية الأكاديمية الملكية الأردنية بقرار من الملك الراحل حسين بن طلال، والدكتوراه الفخرية من جامعة الخرطوم. كما شغل كراسي أستاذية مرموقة في جامعة تمبل الأمريكية وجامعة أوهايو، وكان أول من شغل كرسي 'أبو حامد الغزالي' للفكر الإسلامي.
في عام 2024، منحه ملك ماليزيا السلطان إبراهيم لقب 'الأستاذية الملكية'، وهو أرفع وسام أكاديمي في البلاد، تقديراً لإسهاماته التاريخية في تطوير التعليم. ولم يسبقه لهذا اللقب سوى عالم واحد آخر في تاريخ ماليزيا، مما يعكس المكانة الرمزية الكبيرة التي حظي بها في وجدان شعبه.
لم يقتصر إبداع العطاس على القلم، بل كان خطاطاً ومصمماً موهوباً، حيث عرضت أعماله الفنية في متاحف عالمية مثل متحف 'تروبين' في أمستردام. وقد انعكس هذا الحس الجمالي في كافة تفاصيل المعهد الذي أسسه، من تخطيط الحدائق إلى الديكورات الداخلية والمساجد.
استمر العطاس في العطاء الفكري حتى سنواته الأخيرة، حيث صدر كتابه الأخير 'الإسلام: الوفاء بالعهود' في عام 2023 وهو في الثانية والتسعين من عمره. وظل متمسكاً برؤيته التي تدعو إلى إحياء الصلة بين العلم والقيم، وبين المعرفة ومسؤولية الإنسان في عمارة الأرض.
يرى العطاس أن الميتافيزيقا الإسلامية نظام موحد يجمع بين العقل والتجربة للكشف عن طبيعة الواقع. وأكد في نظرياته أن تعدد الموجودات لا ينقص من وحدة الوجود، بل هو نمط من أنماط تجلي الخالق في خلقه، وهي رؤية فلسفية عميقة حاولت جسر الهوة بين الفكر الصوفي والمنطق العقلي.
برحيل محمد نقيب العطاس، يطوي الفكر الإسلامي صفحة من العطاء الجاد والمثابر في سبيل إعادة بناء الوعي الحضاري. ويترك وراءه جيلاً من التلاميذ والباحثين الذين تشربوا منهجه في نقد الحداثة الغربية ومحاولة بناء نهضة إسلامية تنطلق من الجذور المعرفية الأصيلة للأمة.





Share your opinion
رحيل الفيلسوف محمد نقيب العطاس.. رائد مشروع 'أسلمة المعرفة' ومجدد الفكر الإسلامي في ماليزيا