Fri 20 Mar 2026 5:18 am - Jerusalem Time

تصدع محور 'الثورات المضادة': كيف تعيد الخلافات الخليجية رسم الخارطة السياسية في تونس؟

تشهد المنطقة العربية مرحلة من التصدع البنيوي داخل ما كان يُعرف بمحور 'التطبيع والثورات المضادة'، خاصة مع تفاقم الأزمة المفتوحة بين السعودية والإمارات. هذا الصراع الذي خرج من أروقة الدبلوماسية السرية إلى العلن، ينذر بانتهاء التحالف الاستراتيجي الذي شكل ملامح المنطقة لسنوات طويلة، متجاوزاً حدود المشرق العربي ليصل بتأثيراته إلى تونس ودول المغرب العربي.

إن الهجمات والتصعيد الأخير في المنطقة لم يفلح في ترميم الصدع بين القطبين الخليجيين، بل كشف عن تباين عميق في المصالح والرؤى الإقليمية. ويشير الواقع السياسي إلى أن السرديات الرسمية حول السيادة والاستقلال غالباً ما تصطدم بحقيقة تحول الدول إلى 'كيانات وظيفية' تتحرك ضمن توازنات دولية وإقليمية تفرضها القوى الكبرى.

وفقاً لأطروحات سياسية معاصرة، فإن هذه الكيانات الوظيفية لا تحقق التعريفات الكلاسيكية للدولة التي تحتكر العنف الشرعي أو تسعى لصد الهيمنة الخارجية. بل إن شرعية المجموعات الحاكمة في هذه الدول ترتبط أساساً بالخارج، مما يجعل استراتيجياتها مرتبطة بشكل وثيق بالمشاريع الإمبريالية والصهيونية في المنطقة.

لقد عمل محور الثورات المضادة بشكل دؤوب على إجهاض مشاريع التغيير التي انطلقت مع الربيع العربي، مستخدماً أدوات تتراوح بين الانقلابات العسكرية ونشر الفوضى الطائفية. وفي الحالة التونسية، جرت محاولات مستمرة لشيطنة الانتقال الديمقراطي ووصفه بصناعة إمبريالية، بهدف إعادة المنظومات القديمة للحكم بواجهات جديدة.

إن حصر هذا المحور في السعودية والإمارات فقط يعد قصوراً في التحليل، إذ يمتد ليشمل منظومات 'الاستعمار الداخلي' المرتبطة بالمركز الحقيقي في الغرب والكيان الصهيوني. فالتحركات الإقليمية لهذه الدول لا تتم إلا بضوء أخضر دولي يهدف لحماية المصالح المادية ومنع ظهور أنظمة ديمقراطية تعبر عن الإرادة الشعبية الحقيقية.

تعتبر مراكز القرار الدولي أن منع أي تهديد استراتيجي للكيان الصهيوني هو أولوية قصوى، وهو ما يستدعي محاربة أي نظام سياسي يرفض مسار التطبيع. ومن هنا، فإن الصراع الحالي في الخليج سيعيد صياغة الأولويات الوجودية، مما سيؤثر حتماً على طبيعة التحالفات في تونس وبقية الأقطار العربية التي شهدت حراكاً ثورياً.

إن نتائج الصراع الإقليمي الحالي ستغير وجه المجال العربي الإسلامي بأكمله، حيث أن انتصار التحالف الأمريكي الصهيوني قد يعني تعزيز النفوذ الإماراتي المتصهين. وفي المقابل، فإن وصول القوى الإقليمية الأخرى مثل إيران إلى تفاهمات مع جيرانها قد يؤدي إلى تراجع هذا النفوذ وإضعاف مشروع التطبيع في المنطقة.

بالنسبة لتونس، فإن التصدع الأهم في هذا المحور لم يقتصر على الخلاف السعودي الإماراتي، بل امتد ليشمل الأزمة المتصاعدة بين الإمارات والجزائر. هذا التوتر وضع النظام التونسي في موقف حرج للغاية، نظراً لعلاقاته الوثيقة مع الطرفين، مما يجعل سياسة الحياد التقليدية صعبة الاستمرار في ظل الضغوط المتزايدة.

يبرز في الأفق تشكل تحالف إقليمي جديد يضم السعودية وتركيا ومصر وقطر، وهو ما يسمى بالتحالف 'السني' في مواجهة المحور الإماراتي الإسرائيلي الهندي. هذا الانقسام الحاد سيفرض على تونس إعادة تموضع سياسي شامل، لن يتوقف عند حدود العلاقات الخارجية بل سيمتد ليشمل الملفات الاقتصادية والسياسية الداخلية.

إن خيارات النخب السياسية في تونس ستظل محكومة بمنطق 'الكيان الوظيفي' الذي يسعى للحفاظ على بقائه ضمن التوازنات الجديدة. ومن الصعب التنبؤ بالمسار الدقيق الذي ستتخذه السلطة، لكن المؤكد أن الضغوط الجيواستراتيجية ستجبرها على الخروج من 'صندوق العقل السياسي' التقليدي لمواجهة التحولات العميقة.

لقد نجحت الثورات المضادة في إغلاق 'الفاصلة الديمقراطية' في تونس عبر وكلاء محليين وشبكات إعلامية ومالية واسعة، لكن استدامة هذا النجاح باتت مهددة. فالتصدع في رأس المحور الداعم لهذه التوجهات يضعف الأدوات المحلية ويفتح الباب أمام احتمالات سياسية جديدة قد تعيد خلط الأوراق في الساحة التونسية.

إن الارتباط الوثيق بين المال السياسي الخليجي والأجندات الأيديولوجية في تونس جعل من الساحة المحلية ميدان صراع بالوكالة. ومع تغير موازين القوى بين الرياض وأبوظبي، يجد الفاعلون السياسيون في تونس أنفسهم أمام ضرورة البحث عن ركائز جديدة تضمن لهم الاستمرار في ظل تآكل المحاور القديمة.

في نهاية التحليل، يظهر أن محور الثورات المضادة ليس كتلة صماء، بل هو تحالف مصالح تذروه الرياح عند أول صدام حقيقي على النفوذ. وتونس، بوقوعها في قلب هذا التجاذب، تظل مرشحة لتكون المختبر الأول لنتائج هذا التصدع، سواء نحو مزيد من التبعية أو نحو استعادة جزء من القرار الوطني المستقل.

يبقى التساؤل قائماً حول قدرة القوى الوطنية في تونس على استغلال هذه التناقضات الإقليمية لفتح مسار تحرري جديد بعيداً عن هيمنة المحاور. فالتاريخ يثبت أن تصدع التحالفات الكبرى غالباً ما يوفر هوامش مناورة للدول الصغرى، إذا ما توفرت الإرادة السياسية والرؤية الاستراتيجية الواضحة للنخب الحاكمة والمعارضة على حد سواء.

Tags

Share your opinion

تصدع محور 'الثورات المضادة': كيف تعيد الخلافات الخليجية رسم الخارطة السياسية في تونس؟

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.