هل يكفي رحيل القوى الأجنبية لتحرر المنطقة؟
سؤال أظنه يفتح أبواب الجدل، لنرى ماذا تخفي مجموعة آراء وادعاءات تقول بعضها بأن القواعد موجودة فقط لحماية إسرائيل. وليس بهدف اجابة حاسمة قد تغلق الحوار من بدايته، فهل القواعد مجرد درع لدولة بعينها، أم أنها جزء من لعبة نفوذ أعمق، تتشابك فيها السياسة، والاقتصاد، والمصادر الحيوية، ويستمر أثرها حتى لو غاب الاحتلال الإسرائيلي نفسه؟ هذا السؤال يضعنا أمام فهم أوسع للقوة في المنطقة، بعيدا عن الشعارات البسيطة، ويجهزنا لدخول التاريخ، حيث تتشابك الوقائع مع الأسئلة دون أن تضعنا أمام إجابات نهائية.
الهواء في الصحراء مشحون بتاريخ طويل من الصراع، طرق القوافل القديمة تمر بين مدن حملت أسماء إمبراطوريات ثم تركتها وراءها، والبحار المفتوحة على الخليج ظلت دائمًا مسرحًا لحسابات القوة.
قبل زمن القواعد العسكرية الأجنبية كان صراع النفوذ قائما بالفعل داخل الإقليم نفسه، دول وأنظمة ترفع الشعارات نفسها أحيانا، لكنها تتنافس على الأرض، وتعيد رسم موازين القوة بطريقتها.
في هذا المشهد تبدو المنطقة كأنها مسرح مفتوح للتاريخ، شعارات كبيرة عن التحرر والوحدة، وثورات تطيح بالملكيات وتعلن بداية زمن جديد. غير أن الوقائع، حين نقترب منها، تكشف مفارقات أكثر تعقيدًا مما تقوله الشعارات.
فهل عكست هذه المفارقة صراعا حقيقيا بين قوى النفوذ الإقليمي، أم أنها كشفت عن هشاشة الدولة الوطنية بعد الاستقلال؟
لنبدأ من اليمن.
عام 1962 تنفجر ثورة عبدالله السلال في اليمن وتسقط الملكية، وفي القاهرة يرى جمال عبد الناصر في الحدث امتدادا طبيعيا لمشروعه القومي، بإقامة جمهوريات عربية حديثة تنهي زمن الملكيات التقليدية وتفتح أفقا جديدا للوحدة والتحرر. لذلك يرسل الجيش المصري لدعم الجمهوريين، وتتحول اليمن سريعا إلى ساحة مواجهة إقليمية.
لكن في بغداد يظهر مشهد آخر أكثر التباسا.
عبد الكريم قاسم، الرجل الذي أطاح بالملكية العراقية عام 1958 ورفع خطابًا تحرريا ذا نبرة اشتراكية، لا تختلف كثيرا عن نبرة عبد الناصر، يقف مترددا من مساندة الجمهوريين خشية من انقلاب التوازنات ومن عبد الناصر نفسه، فعندما اندلعت الثورة اليمنية لم يندفع لدعم الجمهوريين كما فعل ناصر، بل اكتفى بمشاركة شكلية، تضمن له ما أراد.
وتتعمق المفارقة بأن نظامين يرفعان لغة الثورة والتحرر والعدالة الاجتماعية، لكنهما كأنهما يقفان على طرفي صراع واحد، فهل كان الخلاف أيديولوجيا أم سياسيا؟!
أم أن الأيديولوجيا كانت في كثير من الأحيان لغة سياسية تخفي صراعات تقليدية على النفوذ؟
هذا التوتر لن يبقى في اليمن وحدها، فسرعان ما ينتقل إلى الخليج، حين أعلن عبد الكريم قاسم أن الكويت جزء من العراق، مستندا إلى روايات تاريخية عن حدود الولاية العثمانية، وارتفع صوت جمال عبد الناصر معلنا أن استقلال الكويت جزء من الأمن القومي العربي.
مرة أخرى يظهر التناقض نفسه بخطابين متقاربين في اللغة السياسية، لكنهما يتصادمان في الموقف، ناصر يدافع عن سيادة دولة عربية، وقاسم يرى في ضمها تصحيحا للتاريخ.
ولا بد من ملاحظة مفارقة أخرى، فالبعثيون والقوميون العراقيون في عهد عبد الكريم قاسم عارضوا أي تحرك لاحتلال الكويت، لارتباطهم بالفكر القومي العربي وقربهم من عبد الناصر، وخوفهم من الإضرار بالمصالح العربية المشتركة، مما أجبر قاسم على الاكتفاء بالخطاب التاريخي دون تنفيذ فعلي.
بعد ثلاثة عقود تقريبا، سيعود المشهد بصورة أكثر قسوة حين يغزو صدام حسين الكويت عام 1990. هذه المرة، كان البعثيون والقوميون جزءا من الآلة السياسية والعسكرية التي دعمت الغزو عمليا، فحولوا الطموح إلى واقع دموي على الأرض، وفتحت حرب الخليج الثانية الباب لتمركز عسكري أمريكي دائم في الخليج، لتبدأ مرحلة القواعد التي نعرفها اليوم.
ومع ذلك، القصة لم تنته بعد ولم تقف عند حدود هذا الصراع، لكنها امتدت إلى أعمق من ذلك، ففي الانقلاب على عبد الكريم قاسم بعد هذه الحوادث، والذي دعمته أميركا وبريطانيا شخصيا، سنجد أن عبد الناصر التزم الصمت وأن حلفائه من القوميين والبعثيين كانت لهم اليد الطولى في الانقلاب، وتذكر بعض المصادر أن عبد الناصر، الذي اصطدم مع الإخوان تناحريا في مصر، سيقف معهم في مساهمتهم بالانقلاب على قاسم أيضا.
فإلى أي حد كانت الأيديولوجيات الكبرى — القومية العربية، الاشتراكية، الثورة الإسلامية — بعد ذلك أدوات تعبئة سياسية تخفي صراعات تقليدية على النفوذ؟.
على الضفة الأخرى من الخليج، في عشرينيات القرن العشرين، ينجح رضا شاه بهلوي في إسقاط إمارة عربستان العربية وضمها إلى الدولة الإيرانية المركزية. المنطقة التي تعرف اليوم بخوزستان، أو الأحواز في الرواية العربية، تتحول منذ ذلك الوقت إلى جزء من معادلة القوة في الخليج بما تحمله من موقع استراتيجي وثروة نفطية.
ثم يأتي مشهد آخر عام 1971، في اللحظة التي كانت بريطانيا تستعد فيها للانسحاب من مناطق نفذها في الخليج، وتسيطر إيران الشاه على الجزر الإماراتية الثلاث أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، قبل إعلان استقلال الإمارات بيومين، في سياق ترتيبات القوة التي رافقت نهاية الحضور البريطاني المباشر، ولضمان موقع متقدم لإيران إقليميا، يتيح لها السيطرة وتشكيل تهديد محتمل لدول الخليج والمصالح البحرية الدولية.
بعد سنوات قليلة تقع الثورة الإيرانية وترفع شعارات صاخبة ضد الهيمنة والاستعمار، غير أن الخرائط تبقى كما هي، الأحواز تبقى ضمن الدولة الإيرانية، والجزر الثلاث تبقى تحت سيطرتها أيضا.
والمفارقة هذه المرة تظهر بأن الثورات قد تغير الأنظمة، لكنها لا تغير دائما الجغرافيا التي رسمتها موازين القوة، ولعل القاسم المشترك بين احتلال الأحواز والجزر الإماراتية الثلاث رغم بعد المسافة الزمنية، أنهما وقعتا فريسة التقاسم بين الاستعمار العالمي — بريطانيا — ونظام الشاه. وأن إقرار الثورة الإيرانية فيما بعد بإيرانية هذه البلاد يعكس قبولا وترسيخا لأمر واقع فرضته بريطانيا، وهو يشبه إلى حد كبير التناقض حين يقع في نفس من يرفع شعار الوحدة العربية ومقاومة الاستعمار من جهة وتمجيده وقبوله بترسيخ سايكس بيكو.
فهل الصراع في المنطقة صراع جغرافيا فقط، أم صراع على طرق الطاقة والأسواق والموارد؟
وهل القواعد الأجنبية في الخليج جزء من استراتيجية دفاع إقليمي مشتركة، أم أداة لإبقاء المنطقة تحت النفوذ الخارجي، بما يشمل حماية مصالح حليف محدد؟
وماذا لو لم يكن هناك احتلالا إسرائيلا أصلا؟ هل ستظل المنطقة تشهد تواجد القواعد الأجنبية نفسها؟
حتى بدون وجود "إسرائيل"، ستكون القواعد الأمريكية في الخليج جزءا من هيكلة القوة الإقليمية. فهي تضمن التحرك السريع، مراقبة الممرات الحيوية، والتحكم جزئيا في اقتصاد الطاقة، ما يجعل النفوذ مستمرا دون الحاجة لتواجد مباشر لأي طرف. أكثر من مجرد حماية لدولة بعينها، فالقواعد ترسخ نظام قوة متكامل تتشابك فيه السياسة، والعسكرية، والاقتصاد في لعبة دائمة من النفوذ والهيمنة، اما " اسرائيل" فهي ليست اكثر من لاعب في المنطقة، حتى وان سميناه لاعبا قويا أو الأقوى ففي المحصلة ليس اللاعب الوحيد.
في نهاية المطاف، عند جمع هذه المشاهد معا — اليمن، خلاف ناصر وقاسم، أزمة الكويت، ثم الأحواز والجزر — يتضح أن تاريخ المنطقة لا يمكن اختزاله في معادلة بسيطة بين الهيمنة الأجنبية والاستقلال الوطني، فقبل القواعد العسكرية الأجنبية كانت هناك بالفعل صراعات نفوذ داخل الإقليم نفسه، بين مشاريع تحمل الشعارات ذاتها أحيانا لكنها تتنافس على الجغرافيا والقيادة.
لهذا بعود السؤال الأول ليظهر من جديد، هل يكفي رحيل القوى الأجنبية وحده لتحرر المنطقة، إذا كانت صراعات القوة داخلها قادرة دائما على إعادة إنتاج الأزمات نفسها؟ هل يجعل الاقتصاد العالمي والتحكم بالموارد والأسواق، إلى جانب الصراعات الداخلية، النفوذ مستمرا حتى بدون جنود على الأرض؟
والسؤال الأهم هل فشل العرب في بناء نظام إقليمي قادر على إدارة الخلافات بينهم؟
فالتحرر الحقيقي يحتاج إلى بنى اقتصادية وسياسية تتشكل ضمن مفهوم الأمن القومي العربي، وقدرة محلية على إدارة الموارد وصياغة السياسات، وإلا ستظل المنطقة تحت تأثير القوى الخارجية والداخلية معا.
مقال للنشر





Share your opinion
هل يكفي رحيل القوى الأجنبية؟ من حكايات صراع النفوذ العربي والإقليمي، وثورات التحرر التي تصطدم بخرائط القوة