في الثامن عشر من مارس، يستحضر السوريون ذكرى دوي أول صيحة تكبير انطلقت من مسجد الحمزة والعباس في حي درعا البلد، والتي كانت بمثابة الشرارة التي أشعلت فتيل الثورة في كافة أرجاء البلاد. هذه اللحظات التاريخية لم تكن مجرد احتجاج عابر، بل كانت إعلاناً عن كسر حاجز الخوف الذي جثم على صدور السوريين لعقود طويلة تحت حكم القبضة الأمنية.
يروي ربيع أحمد المسالمة، الذي فقد شقيقين خلال سنوات النضال، كيف خرج المتظاهرون في ذلك اليوم رغم الانتشار الأمني الكثيف. ويستذكر شقيقه 'علي' الذي أطلق التكبيرة الأولى في المسجد، مؤكداً أن الدافع الأساسي كان القمع المفرط الذي مارسه النظام ضد أطفال اعتقلوا بسبب كتابات على الجدران تطالب بالتغيير.
المظاهرة الأولى التي انطلقت من جامع الحمزة والعباس توجهت نحو الجامع العمري، وهناك وقعت المواجهة المباشرة الأولى مع قوات الأمن. أفادت مصادر ميدانية بأن الرصاص الحي أُطلق بكثافة على صدور المتظاهرين العزل، مما أدى إلى ارتقاء محمود جوابرة وحسام عياش كأول شهيدين في مسيرة الثورة السورية.
يؤكد المسالمة أن الشعارات التي رُفعت في ذلك اليوم كانت تنادي بالحرية والكرامة فقط، نافياً مزاعم النظام السوري حينها بوجود مسلحين. ويرى أن المشاركين في تلك اللحظات كانوا يواجهون جيشاً مدججاً بالسلاح بصدور عارية، وهو ما يمثل ذروة الشجاعة في مواجهة نظام استبدادي لا يعرف لغة الحوار.
من جانبه، يصف غسان المسالمة يوم 18 مارس باليوم التاريخي الذي غير وجه سوريا إلى الأبد. ويقول إن مشاعر القلق انتابت الجميع في البداية بسبب المجهول، لكن الإصرار على استعادة الحقوق كان أقوى من الخوف من نيران الأجهزة الأمنية التي حاولت فض التجمعات بالقوة.
ويضيف غسان أن النظام المخلوع ظن أن 'الحديد والنار' سيخمدان صوت الشعب، لكنه تفاجأ باتساع رقعة الاحتجاجات لتشمل كافة المحافظات. واليوم، يقف السوريون في نفس الأماكن التي انطلقت منها المظاهرات، معلنين انتصار إرادتهم وتخلصهم من عهد الظلم والطغيان الذي استمر لأكثر من نصف قرن.
في سياق متصل، زارت مصادر عائلة الشهيد محمود الجوابرة، الذي سقط برصاصة في العنق وهو في الثانية والعشرين من عمره. يروي شقيقه علاء بحرقة كيف كان محمود يتيماً يحلم بأن يصبح لاعباً دولياً في كرة القدم، لكن رصاص النظام اغتال حلمه في مهده لمجرد مطالبته بالكرامة.
لو أعيد بنا الزمن إلى ما قبل 2011، لنظمنا مئة ثورة في سبيل التخلص من طاغية العصر.
تحدث علاء عن التواجد الأمني الكثيف واستخدام طائرات الهليكوبتر لنقل العناصر القمعية إلى درعا في الأيام الأولى. وأشار إلى أن النظام لم يكتفِ بالقتل، بل اختطف جثمان شقيقه واشترط لدفنه أن يتم ليلاً وبدون مراسم تشييع شعبية، خوفاً من تحول الجنازة إلى تظاهرة كبرى.
رغم الشروط القاسية والقبضة الأمنية الخانقة، لم تنجح محاولات النظام في وأد الثورة في مهدها. بل انتقلت الهتافات التضامنية إلى سائر المدن السورية، حيث ردد المتظاهرون في دمشق وحمص وحلب عبارة 'يا درعا نحن معاكِ للموت'، في تجسيد لوحدة المصير الشعبي ضد الاستبداد.
اليوم، وبعد مرور سنوات من الصراع المرير، يشعر أهالي درعا بالفخر لأن دماء أبنائهم لم تذهب سدى. فقد أثمرت تلك التضحيات عن سقوط النظام في ديسمبر 2024، وهو ما يراه السوريون تحقيقاً للعدالة التي طال انتظارها وتكريماً لأرواح الذين سقطوا في الميادين.
حظيت عائلات الرعيل الأول للثورة باهتمام رسمي من الإدارة الجديدة في سوريا، حيث قام محافظ درعا بزيارة عائلة صاحب أول صيحة تكبير. تم تقديم دروع تكريمية للعائلات تقديراً لدورهم في كسر جدار الصمت وبدء مسيرة التحرر الوطني التي انتهت برحيل الأسد.
يعبر السوريون اليوم عن آمالهم في أن تسعى الحكومات القادمة للحفاظ على كرامة المواطن وحريته التي دفع ثمنها غالياً. ويشددون على ضرورة احترام قدسية دماء الشهداء وعدم التنازل عن المبادئ التي انطلقت من أجلها الثورة في أزقة درعا القديمة.
تظل قصة أطفال درعا الذين كتبوا 'إجاك الدور يا دكتور' هي الأيقونة التي حركت الملايين، حيث كانت إشارة واضحة لوصول رياح الربيع العربي إلى دمشق. هذه العبارات البسيطة كانت كافية لزعزعة أركان نظام ورث الحكم عن أبيه واستمر في السلطة لعقود عبر القمع.
بموجب مرسوم رئاسي أصدره الرئيس أحمد الشرع، أصبح يوم 18 مارس عطلة رسمية وطنية تخليداً لذكرى الثورة. هذا القرار يهدف إلى ترسيخ قيم الحرية في الوجدان السوري، والتذكير بأن إرادة الشعوب لا تقهر مهما بلغت قوة الآلة العسكرية والقبضة الأمنية.





Share your opinion
في ذكرى انطلاقتها: سوريون يستذكرون الرصاصات الأولى لثورة درعا وكسر حاجز الخوف