Wed 18 Mar 2026 9:59 am - Jerusalem Time

إلهنا الذي نعبده هو إله السلام، لا إله الحروب

في زمن تتعالى فيه أصوات المدافع أكثر من أصوات الضمير، وتُستدعى فيه النصوص الدينية أحياناً لتبرير العنف بدلاً من أن تكون منارات للهداية، يصبح من الضروري أن نعود إلى جوهر إيماننا: إن إلهنا الذي نعبده هو إله السلام، لا إله الحروب.
لا يمكن، بأي حال من الأحوال، أن تكون هناك تبريرات دينية لشن الحروب. فالدين، في أصله، دعوة إلى المصالحة، وبناء الإنسان، وترميم ما كسرته الأحقاد. وإذا ما استُخدم الدين لتأجيج الصراعات، فإنه يكون قد أُفرغ من معناه الحقيقي، وتحول إلى أداة في يد المصالح الضيقة. إن الإيمان الحق لا يبرر القتل، بل يقف في وجهه، ويدعو إلى بناء جسور المحبة والعدالة بين البشر.
اسم الله قدوس، وقداسته ترفض أن يُستغل لتبرير سفك الدماء. فلا يمكن أن يُرفع اسم الله على رايات الحروب، ولا أن يُستخدم لتغليف العنف بلباس القداسة. إن كل محاولة لإقحام الله في معارك البشر هي تشويه لصورته الحقيقية، وإساءة إلى رسالته التي تقوم على الرحمة والعدل.
الحروب ليست قدراً إلهياً، بل هي تدبير بشري، ينشأ غالباً عن مطامع سياسية أو اقتصادية، أو عن نزعات الهيمنة والسيطرة. وما نشهده اليوم في منطقتنا وفي العالم يؤكد أن الإنسان حين يبتعد عن القيم الإلهية، يخلق مآسي بيديه، ثم يحاول أن ينسبها زوراً إلى مشيئة الله. لكن الله لا يريد الموت، بل الحياة، ولا يسعى إلى الهدم، بل إلى البناء.
نحن مدعوون، كمؤمنين، إلى إرساء السلام. والسلام الذي ننشده ليس مجرد غياب الحرب، بل هو حضور العدالة والحكمة معاً. فالسلام الحقيقي لا يقوم على توازن الخوف، بل على قوة الحق، ولا يُبنى بالصفقات المؤقتة، بل بالاعتراف بالكرامة الإنسانية لكل إنسان، دون تمييز أو إقصاء.
إن الكتب المقدسة بريئة من تسييسها أو قراءتها خارج سياقاتها التاريخية. فكثيراً ما يُساء فهم النصوص حين تُقتطع من سياقها، أو تُفسر بعين أنانية أو إقصائية. لذلك، نحن بحاجة إلى قراءة واعية ومسؤولة، تستنير بإرادة الله كما كشفها لنا السيد المسيح، الذي أعلن بوضوح أن "طوبى لصانعي السلام ".
وفي هذا السياق، يعبر الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا عن هذه الحقيقة بوضوح حين يقول: "إن إساءة استخدام اسم الله واستغلاله لتبرير هذه الحرب وأي حرب أخرى هو أعظم خطيئة يمكن أن نرتكبها في هذا الزمن. فالحرب، كما هو حال معظم الحروب، ذات طابع سياسي في المقام الأول، ولها مصالح مادية بحتة". ويضيف مؤكداً دور المؤمنين: "يجب أن نفعل ما في وسعنا لكي لا نترك الخطاب لهم"، مشيراً إلى أن الله حاضر في آلام المتألمين، لا في قرارات الحرب.
كما جدد البابا لاون الرابع عشر دعوته إلى وقف إطلاق النار، مذكراً بأن العنف لا يمكن أن يقود إلى العدل أو الاستقرار. فصوته، كما صوت كل ضمير حي، يصرخ في وجه العالم: "أوقفوا إطلاق النار! وأعيدوا فتح مسارات الحوار! فالعنف لن يؤدي أبداً إلى العدل والاستقرار والسلام الذي تتوق إليه الشعوب".
إن مسؤوليتنا اليوم لا تقتصر على رفض الحرب بالكلام، بل تتعداه إلى تبني ثقافة السلام في حياتنا اليومية، في خطابنا، في تربيتنا، وفي مواقفنا. نحن مدعوون أن نكون شهوداً للسلام، لا مجرد متفرجين على صراعات العالم.
إلهنا هو إله السلام لا إله الحروب، ومن يعبده حقاً لا يمكن أن يكون صانع حرب، بل صانع سلام.


Tags

Share your opinion

إلهنا الذي نعبده هو إله السلام، لا إله الحروب

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.