Sun 15 Mar 2026 3:03 pm - Jerusalem Time

فريد زكريا يحذر: هل تكرر واشنطن 'حماقات' بريطانيا التاريخية في الشرق الأوسط؟

أكد الكاتب والمحلل السياسي فريد زكريا أن الإدارة الأمريكية الحالية تكرر أخطاءً استراتيجية تاريخية عبر الانخراط المتزايد في أزمات الشرق الأوسط. وأوضح في مقال له أن واشنطن وقعت في فخ 'التوسع المبالغ فيه'، مما يؤدي إلى استنزاف الموارد البشرية والمالية في صراعات بعيدة عن جوهر مصالحها القومية.

واعتبر زكريا أن العودة الأمريكية القوية للمشهد في الشرق الأوسط تعكس 'حماقة استراتيجية' تشبه تلك التي أدت إلى انهيار الإمبراطورية البريطانية في القرن الماضي. وأشار إلى أن القادة الأمريكيين، رغم إدراكهم لضرورة التركيز على الداخل ومواجهة الصين، يجدون أنفسهم منساقين مرة أخرى نحو حروب إقليمية.

المقال لفت إلى أن الولايات المتحدة تخوض حالياً مواجهة غير مباشرة مع إيران تهدف لإعادة تشكيل المنطقة، وهو نهج أثبت فشله سابقاً في العراق وأفغانستان وليبيا. وتساءل الكاتب عن الأسباب التي تدفع القوى العظمى لتكرار هذه التجارب المريرة رغم وضوح نتائجها الكارثية على المدى الطويل.

ولفهم هذا المنزلق، استعرض زكريا تاريخ الإمبراطورية البريطانية التي كانت القوة المهيمنة الوحيدة في مطلع القرن العشرين. حيث كانت لندن تسيطر على ربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وهو ما يماثل النفوذ الاقتصادي الذي تتمتع به الولايات المتحدة في الوقت الراهن.

وبحسب التحليل، فإن بريطانيا استنزفت قوتها في الرد على حالات عدم الاستقرار في آسيا وأفريقيا، وفرضت سيطرتها على مناطق مثل السودان والعراق والأردن. ورغم أن تلك المهمات بدت ملحة في وقتها، إلا أنها أثقلت كاهل الخزانة البريطانية وأدت إلى تشتت التركيز الاستراتيجي للندن.

وضرب الكاتب مثالاً بتكلفة قمع الثورة العراقية عام 1920، والتي تطلبت أكثر من 100 ألف جندي ومبالغ طائلة تعادل ميزانية التعليم في بريطانيا حينذاك. هذا الإنفاق الهائل على 'الأطراف' جاء على حساب الاستثمار في التكنولوجيا والصناعة داخل بريطانيا نفسها.

بينما كانت بريطانيا غارقة في تفاصيل الصراعات القبلية في الشرق الأوسط، كانت الولايات المتحدة تبني بصمت اقتصاداً صناعياً هو الأكثر تقدماً في العالم. وفي الوقت ذاته، كانت ألمانيا تعيد بناء جهازها العسكري وصناعاتها المتطورة، مما مهد الطريق لتراجع النفوذ البريطاني العالمي.

ويرى زكريا أن أمريكا اليوم تستسلم لنفس الإغراءات الإمبريالية، حيث تبرر تدخلاتها بمنطق سياسي وعسكري وأخلاقي في الشرق الأوسط. لكنه شدد على أن الاستراتيجية الكبرى الناجحة تعتمد بالأساس على تحديد أولويات الموارد المحدودة وعدم هدرها في معارك ثانوية.

إن كل غارة جوية تنفذها واشنطن، وكل طائرة اعتراضية تطلقها في مياه الخليج، تمثل هدراً للطاقة السياسية والعسكرية. هذه الموارد كان من الأجدى توجيهها نحو التحديات الجوهرية التي ستشكل ملامح القرن الحادي والعشرين، وعلى رأسها التنافس التكنولوجي مع القوى الصاعدة.

وأشار المقال إلى أن الدور الأساسي للولايات المتحدة يجب أن يتركز على ترسيخ النظام العالمي في مواجهة طموحات بكين وموسكو. فبينما تنشغل واشنطن بالأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، تستثمر الصين بكثافة في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية والطاقة المتجددة.

الصين تدرك أن موازين القوى القادمة ستحددها التكنولوجيا والابتكار، لذا فهي تتجنب التورط في 'مستنقعات' الشرق الأوسط. وفي المقابل، تواصل روسيا العمل على زعزعة الأمن الأوروبي وتقويض الديمقراطيات الغربية عبر حروب هجينة يصعب رصدها أو مواجهتها بالوسائل التقليدية.

وحذر زكريا من أن القوى العظمى غالباً ما تنجذب لـ 'الحروب الصغيرة' لأنها توهم بتحقيق انتصارات سريعة وسهلة. إلا أن هذه النجاحات التكتيكية نادراً ما تتحول إلى مكاسب استراتيجية دائمة، بل تكون غالباً الخطوة الأولى نحو الإنهاك والضعف طويل الأمد.

حتى في حال نجاح التدخل الأمريكي ضد إيران، فإن ذلك سيتطلب التزاماً طويلاً وعميقاً بمصير ذلك البلد لسنوات طويلة. وتساءل الكاتب عما إذا كان هذا هو المجال الأمثل الذي يجب أن تكرس له أمريكا جهدها ووقتها خلال العقد القادم في ظل التحديات العالمية الأخرى.

وختم فريد زكريا مقاله بالتأكيد على أن الدرس المستفاد من التاريخ البريطاني واضح وصريح لكل ذي بصيرة. فالقوى العظمى لا تنهار عادة بسبب غزو خارجي، بل بسبب الإفراط في التوسع الخارجي وإهمال الجبهة الداخلية وتطوير جوهر القوة الوطنية.

Tags

Share your opinion

فريد زكريا يحذر: هل تكرر واشنطن 'حماقات' بريطانيا التاريخية في الشرق الأوسط؟

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.