Sun 15 Mar 2026 10:25 am - Jerusalem Time

إسرائيل من الداخل: مجتمع قلق تحت ضغط الحرب


حين تنظر إلى إسرائيل من الخارج تبدو دولة ذات قوة عسكرية فائقة. جيش متطور، تفوق تكنولوجي، منظومات دفاعية متعددة، ودعم غربي سياسي وعسكري شبه مطلق. هذه الصورة جعلت كثيرين يختزلون قوة إسرائيل في بعدها العسكري، وكأن المسألة كلها تتعلق بالتفوق في الطائرات والصواريخ والاستخبارات. لكن قراءة أعمق للمجتمع الإسرائيلي نفسه تكشف أن نقطة الضعف الأساسية في إسرائيل ليست عسكرية بقدر ما هي مجتمعية. فالقوة العسكرية لا تعمل في فراغ، بل تحتاج إلى مجتمع قادر على الاحتمال والتماسك وتحمل كلفة الحرب لفترة طويلة. وهنا بالضبط تظهر هشاشة إسرائيل الحقيقية.
إن إسرائيل قامت تاريخيا على فكرة المجتمع المعبأ للحرب. منذ تأسيسها تشكلت عقيدتها الأمنية على أن بقاء الدولة يعتمد على قدرة المجتمع على التجند الكامل عند الحاجة. لهذا نشأت فكرة "جيش الشعب" الذي يخدم فيه معظم الإسرائيليين، وأصبح الجيش ليس مجرد مؤسسة عسكرية بل جزء من الهوية الجماعية. غير أن هذا النموذج بدأ يتآكل تدريجيا خلال العقود الأخيرة، مع تغير طبيعة المجتمع الإسرائيلي وتعمق الانقسامات بين مكوناته.
المجتمع الإسرائيلي اليوم ليس المجتمع المتجانس الذي حاولت الرواية الصهيونية تصويره في الماضي. هو مجتمع شديد الانقسام بين علمانيين ومتدينين، بين يهود شرقيين وغربيين، بين متدينين قوميين وليبراليين، بين مركز ثري وهوامش مهمشة، وبين يهود وعرب داخل الخط الاخضر. هذه الانقسامات ليست مجرد اختلافات ثقافية عادية، بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى صراعات سياسية حادة تهدد بنية النظام نفسه.
فالأزمة التي عاشتها إسرائيل خلال الجدل حول تعديل النظام القضائي قبل الحرب الأخيرة كشفت عمق هذه الانقسامات. خرج مئات الآلاف إلى الشوارع في مظاهرات استمرت شهورا، وظهرت دعوات داخل الجيش لرفض الخدمة الاحتياطية، وهو أمر كان يعد في السابق من المحرمات السياسية. تلك الأزمة لم تختف مع اندلاع الحرب، بل تم تجميدها مؤقتا تحت ضغط الخطر الخارجي. لكنها ما زالت كامنة في العمق، وتعود للظهور كلما طال أمد المواجهة.
هذه الانقسامات تؤثر مباشرة على قدرة الجبهة الداخلية على تحمل حرب طويلة. ففي الحروب القصيرة يمكن تعبئة المجتمع بسهولة عبر خطاب الخطر الوجودي. أما في الحروب الطويلة فإن الضغط النفسي والاقتصادي يبدأ في تفكيك هذه التعبئة تدريجيا. هنا تظهر الفوارق الاجتماعية، وتطفو الخلافات السياسية، ويتراجع الشعور بالتضامن الوطني.
الواقع أن إسرائيل لم تخض منذ عقود حرب استنزاف طويلة بالمعنى الحقيقي. معظم حروبها كانت قصيرة نسبيا وحاسمة في نهايتها، أو كانت مواجهات محدودة يمكن احتواؤها بسرعة. هذا النمط من الحروب ساعد إسرائيل على الحفاظ على صورة القوة التي لا تهزم. لكن الحرب الطويلة مختلفة تماما، لأنها تنقل المعركة من الجبهة العسكرية إلى داخل المجتمع نفسه.
إن الحرب الطويلة تعني اقتصادا مضغوطا، حياة يومية مضطربة، خوفا مستمرا، وتعطلا دائما في التعليم والعمل. ومع مرور الوقت يبدأ الناس في طرح أسئلة صعبة حول جدوى الحرب وتكلفتها. في هذه اللحظة تتحول الجبهة الداخلية إلى ساحة صراع لا تقل أهمية عن الجبهة العسكرية.
في هذا السياق أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي نافذة نادرة على ما يجري داخل المجتمع الإسرائيلي خلال الحروب. فبعيدا عن الخطاب الرسمي الذي يحاول إظهار صورة الصمود والوحدة، تكشف مقاطع الفيديو المتداولة مشاهد مختلفة تماما. يظهر في هذه المقاطع خوف واضح بين المدنيين، توتر داخل الملاجئ، جدالات بين السكان، ومظاهر عنصرية بين فئات مختلفة من المجتمع.
وفي بعض المقاطع يمكن رؤية خلافات بين متدينين وعلمانيين حول أسلوب الحياة داخل الملاجئ. وفي مقاطع أخرى تظهر توترات بين يهود شرقيين وغربيين، أو شكاوى من سوء إدارة الملاجئ والخدمات. هذه التفاصيل الصغيرة تبدو للوهلة الاولى أمورا عابرة، لكنها في الواقع تعكس توترا عميقا داخل المجتمع.
الملاجئ في زمن الحرب تتحول إلى مرآة للمجتمع. عندما يجتمع الناس في مساحة ضيقة تحت ضغط الخوف يظهر الوجه الحقيقي للعلاقات الاجتماعية. التضامن يمكن أن يظهر، لكن التوترات أيضا تظهر بوضوح. وعندما تنتشر هذه المشاهد على نطاق واسع فإنها تضعف الصورة التي تحاول الدولة ترسيخها عن مجتمع متماسك.
الأمر لا يتعلق فقط بالخوف من الصواريخ، بل بتراجع الشعور العام بالأمن. إسرائيل قامت على وعد أساسي لمواطنيها وهو توفير الأمن في منطقة مضطربة. هذا الوعد كان جزءا من العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع. لكن كلما شعر الناس أن هذا الوعد يتآكل يبدأ هذا العقد في الاهتزاز.
إن تراجع الشعور بالأمن لا يظهر فقط في الخوف الفردي، بل أيضا في النقاشات العامة داخل إسرائيل. هناك حديث متزايد في الإعلام الإسرائيلي عن الهجرة العكسية، وعن تراجع ثقة الشباب بالمستقبل، وعن القلق من أن الدولة لم تعد قادرة على ضمان الحياة الطبيعية التي وعدت بها مواطنيها.
هذه التحولات تعني أن نقطة الضعف الحقيقية في إسرائيل قد تكون داخل مجتمعها نفسه. الجيش يمكنه أن يحقق تفوقا عسكريا في معركة أو عدة معارك، لكن الحرب الطويلة تقاس بقدرة المجتمع على الاحتمال. فإذا بدأ المجتمع يفقد تماسكه فإن القوة العسكرية تصبح أقل فعالية.
من هنا يمكن فهم لماذا تبدو استراتيجية الضغط طويل الأمد أكثر تأثيرا من المواجهات القصيرة والحاسمة. المواجهة القصيرة تمنح إسرائيل فرصة استخدام تفوقها العسكري بسرعة، وتحويل المعركة إلى مسألة تقنية تتعلق بالقدرات القتالية. أما الاستنزاف الطويل فينقل المعركة إلى ساحة مختلفة تماما، هي ساحة المجتمع والاقتصاد والنفس البشرية.
الاستنزاف لا يعني الانتصار العسكري المباشر، بل يعني إطالة أمد التوتر بحيث تتحول الحياة اليومية نفسها إلى عبء مستمر. ومع مرور الوقت يبدأ الضغط في التراكم داخل المجتمع. الاقتصاد يتباطأ، الاستثمارات تتراجع، القلق النفسي يزداد، والخلافات السياسية تصبح أكثر حدة.
إن كل مجتمع لديه قدرة محددة على تحمل هذا النوع من الضغط. المجتمعات الكبيرة والمستقرة تاريخيا قد تكون قادرة على الصمود لفترات طويلة. أما المجتمعات التي تعاني أصلا من انقسامات عميقة فإنها تكون أكثر هشاشة أمام الاستنزاف.
وإسرائيل، رغم قوتها العسكرية، تبدو اليوم أقرب إلى هذا النوع الثاني من المجتمعات. هي دولة قوية في مجال التكنولوجيا والجيش، لكنها تعيش في الوقت نفسه حالة من الاستقطاب الداخلي غير المسبوق. هذا الاستقطاب يجعل أي حرب طويلة اختبارا قاسيا لتماسكها الداخلي.
لهذا فإن قراءة الواقع الإسرائيلي لا يجب أن تقتصر على موازين القوة العسكرية. القوة الحقيقية لأي دولة تقاس أيضا بقدرة مجتمعها على الاحتمال والصمود. وإذا كان المجتمع نفسه يعيش حالة من القلق والانقسام فإن هذه القوة تصبح محدودة مهما كان التفوق العسكري كبيرا.
قد لا تكون المعركة الحاسمة في السماء بين الطائرات أو في البحر بين السفن، بل داخل المجتمع نفسه. هناك حيث يتحدد مدى قدرة الناس على الاستمرار في العيش تحت ضغط الحرب. وعندما يبدأ هذا المجتمع في التشقق فإن أقوى الجيوش قد تجد نفسها أمام معركة مختلفة تماما، معركة تتعلق بصلابة المجتمع قبل أي شيء آخر.

Tags

Share your opinion

إسرائيل من الداخل: مجتمع قلق تحت ضغط الحرب

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.