Sat 14 Mar 2026 4:18 pm - Jerusalem Time

الجزائر بين ذاكرة الانفتاح وتحديات الراهن: دعوة لاستعادة دور النخب والثقافة

تستحضر الذاكرة الجزائرية حقبة كانت فيها البلاد مأوى للحالمين ومنارة للراغبين في التحرر من قيود الاستعمار في القارة الإفريقية. في تلك السنين، كانت الأرض خصبة بالإبداع الأدبي والمسرحي والسينمائي، حيث وصلت السينما الجزائرية إلى منصات التتويج العالمية في مهرجانات 'كان' والأوسكار، ونمت المسارح في القرى النائية كجزء أصيل من الحوار اليومي للمواطنين.

كان الفضاء العام في الماضي يتسع للاختلاف، حيث جهرت الطبقة السياسية بآرائها المعارضة دون وجل، وكانت السجون تقتصر على مرتكبي الجرائم الجنائية والمالية فقط. كما تمتعت المرأة بحرية الحركة في الشوارع دون مضايقات من 'شرطة الأخلاق' أو قيود العادات المتزمتة، مما جعل من الإنسان مسؤولاً عن سلوكه الفعلي لا عن قناعاته الفكرية التي ظلت ملكاً له.

أما اليوم، فتبدو الصورة قد انقلبت بشكل يثير التساؤل، حيث تراجع دور المؤسسات الثقافية وتحولت قاعات السينما إلى هياكل صامتة من الإسمنت والحديد. لقد انحسر فعل القراءة وغابت الحيوية عن المكتبات التي باتت تستضيف أنشطة لا تمت بصلة للكتاب، مما يعكس حالة من اللامبالاة تجاه الفنون التي كانت يوماً ما طينة هذا البلد وهويته الناصعة.

يرى مراقبون أن الانغلاق الداخلي أدى بالشباب إلى الارتماء في أحضان إعلام بديل يبث من الخارج عبر منصات التواصل الاجتماعي مثل يوتيوب وتيك توك. هذه القنوات، التي يديرها أفراد من بقايا تيارات معينة، تعمل على إحباط الروح المعنوية ونشر أخبار زائفة، مستغلة الفراغ الذي تركه غياب الإعلام الحر والمستقل في الداخل الجزائري.

إن المخرج من هذا المأزق يتطلب شجاعة في مراجعة الذات، والاعتراف بأن الثقافة ليست مجرد ديكور للاجتماعات الرسمية بل هي ركيزة أساسية للعيش الكريم. يجب على السلطة أن تصغي بتمعن للنقد الداخلي البناء، وأن تفتح الأبواب أمام المثقفين الذين تشتتوا بين صمت الداخل ومرارة المهجر، ليعودوا ويتصدروا المشهد كما كان حالهم في العصور الذهبية.

تحتاج الجزائر اليوم إلى مصالحة حقيقية مع أبنائها وانفتاح أكبر على محيطها الإقليمي والدولي لتستعيد دورها التاريخي كنقطة التقاء بين الشرق والغرب. إن الاستمرار في سياسة التغييب الثقافي واستبدال الحوار الحقيقي بضجيج الساسة على شاشات التلفزيون لن يؤدي إلا إلى مزيد من التعتيم على الإخفاقات الواقعية وتأخير خطوات التقدم المنشودة.

في نهاية المطاف، تظل الجزائر تمتلك كافة المؤهلات التي تمكنها من تدارك ما فاتها واستعادة بريقها المفقود إذا ما توفرت الإرادة السياسية للإعلاء من شأن الحرية. إن النظر في مرآة الحقيقة هو الخطوة الأولى نحو التغيير، حيث يطمح الجزائريون إلى بلد يحترم الفكر ويحتضن الجميع دون تفرقة، ليعود مقصداً للحالمين كما كان دائماً.

Tags

Share your opinion

الجزائر بين ذاكرة الانفتاح وتحديات الراهن: دعوة لاستعادة دور النخب والثقافة

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.