Sat 14 Mar 2026 2:34 pm - Jerusalem Time

قبيل اجتماع واشنطن: تحولات المشهد الليبي من صراع المشاريع إلى تقاسم النفوذ العائلي

تتسارع التطورات على الساحة الليبية في مختلف أقاليمها، حيث تسعى أطراف النزاع إلى تعزيز نفوذها وفرض إرادتها الميدانية والسياسية. يأتي هذا التحرك في سياق الاستعداد للتكيف مع خطة أمريكية مرتقبة تهدف لترتيب الأوضاع السياسية، مما ينذر بشكل جديد من التجاذب بين القوى الفاعلة.

لقد ساد في سنوات سابقة اعتقاد بأن الصراع الليبي يدور بين مشروعي بناء الدولة المدنية الديمقراطية والمشروع العسكري الذي يتبنى القبضة الأمنية. إلا أن طول أمد النزاع أدى إلى تآكل هذه المنطلقات، حيث اختلطت الغايات وتراجعت القيم الحاكمة لدى أنصار كلا الجبهتين بشكل ملحوظ.

في شرق البلاد وجنوبها، تحول المشروع الذي كان يقدم نفسه كمؤسسة عسكرية وطنية ضامنة للاستقرار إلى تنظيم سلطوي يتسم بالطابع العائلي. وبات هذا المشروع يتمترس خلف قوة السلاح والانتظام الأمني، محولاً المؤسسة العسكرية إلى طرف سياسي مباشر في الصراع على الموارد والسلطة.

أما في الغرب الليبي، فقد شهد مشروع الدولة المدنية تراجعاً مماثلاً، حيث انخرطت فواعل محسوبة على التيار المدني في دوائر نفوذ مصلحية ضيقة. وأصبح الدفاع عن هذا الواقع يتم تحت مبرر دفع 'المفسدة الكبرى' المتمثلة في حكم العسكر، مما شرعن وجود سلطة هجينة تعتمد على المجموعات المسلحة.

تشير القراءات الحالية إلى أن الماراثون الدبلوماسي في باريس وروما، وصولاً إلى الاجتماع المرتقب في واشنطن، لا يهدف بالضرورة إلى تأسيس مرحلة ديمقراطية. بل يبدو أن التوجه الدولي يسير نحو إيجاد توليفة تجمع بين السلطتين القائمتين في شكلهما الحالي، بعيداً عن استحقاق صناديق الاقتراع.

إن الضغط الأمريكي الراهن قد يؤدي إلى انزلاق البلاد نحو وضع شديد التأزيم، خاصة مع اتجاه 'الجيش' لابتلاع مؤسسات الدولة وتوظيف مواردها. وفي المقابل، يتقزم مشروع الدولة في الغرب لصالح تحالفات تجمع عائلات نافذة مع أطراف أمنية ومجموعات مسلحة تسيطر على القرار.

تعتبر التحولات الدولية والإقليمية عامل تغيير رئيسي في سلوك أطراف النزاع الليبي، حيث تدفع هذه القوى نحو إعادة تموضع سلطات الأمر الواقع. ومن المستبعد أن ينتج عن هذا الضغط نموذج مثالي للدولة، بل قد يسفر عن انحراف أكبر عن تطلعات الليبيين في بناء مؤسسات مهنية.

الخارطة السياسية الليبية لا تقتصر على القوى المتصارعة فحسب، بل تضم قاعدة عريضة من القوى المدنية والمجتمعية التي ترفض هذا التجاذب المصلحي. ورغم هذا الرفض الواسع، إلا أن هذه المكونات لم تنجح حتى الآن في تنظيم صفوفها لفرض مشروع وطني يتجاوز ثنائية الصراع الراهنة.

يعيش الشارع الليبي حالة من التحفظ تجاه المسارات السياسية الحالية التي تكرس المحاصصة بين النخب الحاكمة في الشرق والغرب. ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى مزيد من التردي في الأوضاع الاقتصادية والأمنية، ما لم تظهر قوة وطنية ثالثة تكسر هذا الجمود.

إن التوصيف الدقيق لما يحدث اليوم هو 'الانتظام السلطوي الضيق'، حيث تلاشت الفوارق الأيديولوجية بين الخصوم لصالح البقاء في الحكم. هذا التحول جعل من الصعب المراهنة على الأطراف الحالية لإنتاج حل مستدام ينهي حالة الانقسام المؤسسي التي تعصف بالبلاد منذ سنوات.

تظل خطة واشنطن المرتقبة هي المحرك الأساسي للتحركات الميدانية والسياسية الأخيرة، حيث يحاول كل طرف حجز مقعده في الترتيبات القادمة. ومع ذلك، فإن غياب الرؤية الوطنية الشاملة يجعل من أي اتفاق دولي مجرد مسكن مؤقت للأزمة وليس حلاً جذرياً لها.

لقد أثبتت التجارب السابقة أن القفز على إرادة الشعب الليبي وتجاهل المسار الانتخابي لا يؤدي إلا إلى تجديد النزاع بصور مختلفة. واليوم، يبدو أن المجتمع الدولي يكرر ذات الأخطاء عبر محاولة شرعنة سلطات الأمر الواقع بدلاً من التمكين للتحول الديمقراطي الحقيقي.

في ظل هذا المشهد المعقد، يبقى الرهان على قدرة القوى المجتمعية والمدنية في تشكيل رأي عام ضاغط يرفض الارتهان للمصالح العائلية والمليشياوية. وإذا فشلت هذه القوى في التحرك، فإن ليبيا قد تواجه مرحلة طويلة من الحكم الهجين الذي يفتقر للشرعية الشعبية والمؤسسية.

ختاماً، فإن المشهد الليبي يقف عند مفترق طرق خطير، فإما الذهاب نحو تسوية شاملة تعيد الأمانة للشعب، أو الرضوخ لترتيبات دولية تكرس الانقسام. إن الأيام القادمة وما سيسفر عنه اجتماع واشنطن ستحدد بشكل كبير ملامح العقد القادم في تاريخ الدولة الليبية.

Tags

Share your opinion

قبيل اجتماع واشنطن: تحولات المشهد الليبي من صراع المشاريع إلى تقاسم النفوذ العائلي

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.