يأتي كتاب 'في الفلسفة الحديثة والمعاصرة' الصادر عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود لعام 2026، كجهد جماعي يسعى لرسم خريطة مفاهيمية دقيقة للتيارات التي شكلت العقل الغربي. يتناول العمل مسارات الهيغلية والبرغسونية والوجودية وصولاً إلى فلسفات الاعتراف والهرمينوطيقا، مقدماً مادة دسمة في 353 صفحة من القطع المتوسط.
وفي قراءة نقدية لهذا المنجز، يرى الباحث عامر عياد أن التحدي الحقيقي لا يكمن في استيعاب هذه الفلسفات كتاريخ غربي مكتمل، بل في كيفية استنطاقها داخل السياق العربي. فالحداثة الغربية ولدت من رحم أزمات بنيوية، وفهمنا لها يجب أن ينطلق من إدراك مكاننا ضمن تلك الأزمات وليس مجرد محاكاتها.
تعد الهيغلية نقطة ارتكاز في الكتاب، حيث ارتبطت تاريخياً بتشكل الدولة الحديثة وتجسيد العقل الموضوعي في المؤسسات. غير أن القارئ العربي يواجه معضلة عند استحضار هذا الفكر، إذ قد يتحول تصور الدولة كعقل مطلق إلى تبرير فلسفي للسلطوية في غياب شروط المساءلة والحرية.
أما البرغسونية، التي نشأت كنقد للعقل الآلي والزمن الميكانيكي، فإنها تكتسب أهمية خاصة في المجتمعات العربية التي تعيش مفارقة زمنية حادة. فبينما تتحرك المؤسسات بمنطق إداري جامد، تظل المجتمعات نابضة بحيوية لا تجد ترجمة مؤسسية لها، مما يجعل مفهوم 'الديمومة' البرغسوني أداة لفهم أزمة الزمن العربي.
ويحذر عياد من أن الإصلاحات التي تُفرض بإيقاع سلطوي أو تُستنسخ من نماذج جاهزة تفتقر إلى 'الديمومة الداخلية' التي تحدث عنها هنري برغسون. فالحداثة ليست مجرد قرار إداري أو مخطط تقني، بل هي تحول حي ينبع من داخل نسيج المجتمع وتاريخه الخاص.
وفيما يخص الوجودية، يطرح الكتاب تساؤلات حول معنى حرية الفرد ومسؤوليته في ظل مجتمعات تضيق فيها مساحات الفعل السياسي. فالحرية الوجودية قد تبدو ترفاً نظرياً ما لم ترتبط بشروط مؤسسية تحميها، مما يستوجب ربط القلق الوجودي الفردي بسؤال السلطة والمجال العام.
تنتقل القراءة إلى فلسفات الاعتراف، التي تفترض وجود إطار قانوني مستقر يضمن المواطنة المتساوية قبل معالجة التهميش الرمزي. وفي الحالة العربية، يظل سؤال الاعتراف معلقاً فوق سؤال العدالة السياسية، مما يجعل استيراد هذه المفاهيم دون تفكيك شروطها التاريخية مخاطرة معرفية قد تعمق الانقسامات.
الفلسفة ليست مادة جامدة، بل فعل تأويلي ونقدي مستمر، وسؤال مفتوح عن موقعنا اليوم بين الحرية والسلطة والمعنى.
أما الهرمينوطيقا أو فن التأويل، فهي تفتح آفاقاً لتفكيك ادعاءات الحقيقة المطلقة في السياقات التي تتنازعها القراءات الدينية والسياسية. ومع ذلك، يجب الحذر من تحولها إلى نسبية مفرطة تضعف المعايير النقدية الجامعة، مما يتطلب توازناً دقيقاً بين تاريخية الفهم والالتزام بالقيم المعيارية.
يشير الكتاب إلى أن الحداثة الغربية لم تكن خطاً مستقيماً نحو التقدم، بل مساراً متعرجاً مليئاً بالتوترات والانتكاسات. واستحضار هذه التيارات في الفكر العربي دون إبراز هذا التعقيد قد يوهم بإمكانية استنساخ التجربة التاريخية دون توفر شروطها الموضوعية والذاتية.
يتميز هذا العمل الجماعي بلغة رصينة تقترب من التبسيط المنهجي دون الإخلال بالدقة العلمية، مما يجعله مرجعاً مناسباً للتكوين الجامعي. كما أن ترتيب المفاهيم من العقل إلى الزمن وصولاً إلى التأويل يمنح القارئ إحساساً بالبنية الداخلية العميقة للفكر الحديث والمعاصر.
ورغم القيمة التأسيسية للكتاب، إلا أن القراءة النقدية تسجل غياب التوتر والصراع بين المدارس الفلسفية في العرض، حيث بدت وكأنها تطور متناغم. فالوجودية مثلاً كانت تمردًا جذرياً على الهيغلية، وهو ما قد يغيب عن القارئ في ظل السرد المتدرج الذي اعتمده المؤلفون.
كما يُلاحظ حضور محدود للسياقات الاجتماعية والسياسية التي ولدت فيها هذه الأفكار، مما قد يحرم القارئ من رؤية الفلسفة كاستجابة لأزمات ملموسة. إن تغييب الحوار مع الفكر العربي الإسلامي يرسخ أيضاً صورة ذهنية بأن تاريخ الفلسفة هو مسار غربي خالص يُدرس ولا يُناقش.
في الختام، يظل الكتاب مدخلاً هاماً لرسم خريطة مفاهيمية، لكنه يتوقف عند عتبة التفكيك النقدي العميق لموقع القارئ العربي من هذه الخريطة. نحن بحاجة إلى مساءلة الحداثة من داخل أزماتنا الخاصة، لا سيما أزمات الدولة والشرعية والحرية التي ما زالت تراوح مكانها.
إن الفعل الفلسفي الحقيقي يقتضي إبقاء السؤال مفتوحاً وعدم الاطمئنان للسرديات الجاهزة، سواء كانت تمجيدية أو رافضة للحداثة. فالفلسفة لا تُستورد كبضاعة، بل تُعاد صياغتها داخل الشروط التاريخية المحددة لكل أمة، وهو التحدي الذي يواجه العقل العربي المعاصر اليوم.





Share your opinion
إعادة توطين الحداثة: قراءة نقدية في مسارات الفلسفة المعاصرة وسياقها العربي