Sat 14 Mar 2026 8:36 am - Jerusalem Time

حين تطلب الدولة مفتاح الخوارزمية من يملك الخوارزمية يملك المستقبل

في السنوات الأخيرة لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية متقدمة تستخدمها الشركات لتحسين الخدمات الرقمية أو تسريع الإنتاج، بل أصبح بنية استراتيجية تمس الأمن القومي والاقتصاد العالمي وحتى شكل المجتمعات الحديثة. ضمن هذا التحول الكبير ظهرت مسودة سياسات جديدة أعدّتها إدارة الخدمات العامة الأمريكية (GSA) تقترح شرطًا لافتًا للشركات العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي: أي شركة ترغب في الحصول على عقود حكومية أمريكية يجب أن تمنح الحكومة ترخيصًا دائمًا وغير قابل للإلغاء لاستخدام تقنياتها. هذا الشرط الذي يُعرف قانونيًا باسم Irrevocable License يعني أن الدولة تستطيع استخدام التكنولوجيا حتى لو تغيّرت ملكية الشركة أو توقفت عن العمل أو حاولت لاحقًا سحب الترخيص.

قد يبدو هذا القرار إداريًا أو تقنيًا في ظاهره، لكنه في الواقع يعكس تحولًا عميقًا في العلاقة بين الدولة والتكنولوجيا. فالدول الكبرى بدأت تدرك أن الخوارزميات أصبحت موردًا استراتيجيًا يشبه الطاقة أو النفط في القرن العشرين. وتشير تقديرات معهد ماكينزي العالمي McKinsey Global Institute إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يضيف ما بين 13 إلى 15 تريليون دولار إلى الاقتصاد العالمي بحلول عام 2030، بينما يقدّر تقرير Stanford AI Index أن الاستثمارات العالمية في هذا القطاع تجاوزت 200 مليار دولار سنويًا. عندما تصبح هذه الأرقام جزءًا من الاقتصاد العالمي، فإن الحكومات لن تترك هذا المجال بالكامل للشركات الخاصة، بل ستسعى إلى ضمان السيطرة أو على الأقل الوصول الدائم إلى التكنولوجيا التي قد تشكل مستقبل الاقتصاد والأمن.

هذا التوجه لا يرتبط فقط بالاقتصاد، بل يرتبط أيضًا بالمنظومة الأمنية. فالذكاء الاصطناعي أصبح عنصرًا أساسيًا في أنظمة الدفاع الحديثة، حيث يستخدم في تحليل صور الأقمار الصناعية، وفي تشغيل الطائرات المسيرة، وفي تحليل البيانات الاستخباراتية الضخمة التي قد تحتوي على ملايين الإشارات والمعلومات. تشير تقارير حلف شمال الأطلسي NATO إلى أن أكثر من 60٪ من الأنظمة العسكرية الحديثة أصبحت تعتمد بشكل مباشر على تقنيات الذكاء الاصطناعي أو التعلم الآلي. لذلك فإن امتلاك الحكومة حق استخدام هذه التقنيات بشكل دائم يمنحها قدرة استراتيجية هائلة في مواجهة التحديات الأمنية المستقبلية، لكنه في الوقت نفسه يفتح نقاشًا عالميًا حول حدود السلطة التكنولوجية للدول.

على المستوى الاقتصادي، يعكس هذا القرار بداية مرحلة جديدة في الصراع على اقتصاد المستقبل. فالاقتصاد الرقمي اليوم يعتمد على ثلاثة عناصر رئيسية: البيانات والخوارزميات والبنية الحاسوبية الضخمة. عندما تحصل الحكومة على حق دائم لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، فإنها تدخل عمليًا كشريك غير مباشر في هذا الاقتصاد. وتشير دراسة لشركة PwC إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يرفع الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة تصل إلى 14٪ بحلول عام 2030، ما يعني أن الدول التي تمتلك السيطرة على هذه التكنولوجيا قد تتحول إلى مراكز القوة الاقتصادية في العالم. بالنسبة للمجتمعات النامية أو الصغيرة اقتصاديًا، مثل الاقتصاد الفلسطيني أو العديد من الاقتصادات العربية، فإن هذا التحول يطرح سؤالًا مهمًا: هل سنظل مستهلكين للتكنولوجيا التي تطورها الدول الكبرى، أم سنتمكن من تطوير قدراتنا المحلية في مجال الذكاء الاصطناعي؟

لكن التأثير الأكثر حساسية يتعلق بالمراقبة الرقمية. فالذكاء الاصطناعي يمتلك قدرة غير مسبوقة على تحليل البيانات البشرية. خوارزمية واحدة يمكنها تحليل ملايين الصور ومليارات النصوص وحركة المستخدمين على الإنترنت خلال دقائق. تقرير Carnegie Endowment يشير إلى أن أكثر من 75 دولة في العالم تستخدم بالفعل تقنيات الذكاء الاصطناعي في أنظمة المراقبة وتحليل البيانات الأمنية. عندما تحصل الحكومات على إمكانية الوصول الدائم إلى هذه التقنيات، يصبح النقاش حول الخصوصية الرقمية أكثر تعقيدًا. هل ستستخدم هذه الأدوات لتعزيز الأمن العام أم قد تتحول إلى أدوات رقابة واسعة على المجتمعات؟ هذا السؤال لا يخص الولايات المتحدة وحدها، بل يخص مستقبل الحوكمة الرقمية في العالم كله.

أما في مجال التربية والتعليم، فإن تأثير الذكاء الاصطناعي قد يكون أكثر عمقًا مما نتخيل. فالتكنولوجيا بدأت بالفعل في إعادة تشكيل طريقة إنتاج المعرفة ونشرها. تقرير اليونسكو UNESCO لعام 2024 يشير إلى أن أكثر من 45٪ من الجامعات حول العالم بدأت دمج أدوات الذكاء الاصطناعي في العملية التعليمية، بينما يستخدم نحو 60٪ من الطلاب أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث والتعلم الذاتي. عندما تصبح الحكومات طرفًا مباشرًا في تطوير هذه الأنظمة، فإن ذلك قد يؤثر أيضًا على مناهج التعليم، وعلى شكل المعرفة التي يتم إنتاجها، وعلى كيفية تقييم الطلاب والباحثين. في مجتمعاتنا، حيث تعاني المؤسسات التعليمية أحيانًا من نقص الموارد التقنية، قد يتحول الذكاء الاصطناعي إلى فرصة لتطوير التعليم، لكنه قد يصبح أيضًا مصدر تبعية معرفية إذا لم يتم الاستثمار في تطوير القدرات المحلية.

في النهاية، ما يحدث اليوم ليس مجرد تعديل في شروط العقود الحكومية مع شركات التكنولوجيا. نحن أمام تحول تاريخي في العلاقة بين الدولة والتكنولوجيا. الخوارزميات لم تعد مجرد أدوات برمجية، بل أصبحت بنية سيادية تمس الاقتصاد والأمن والتعليم والثقافة. الدول الكبرى تسعى إلى ضمان ألا تتحول هذه التكنولوجيا إلى قوة مستقلة خارج نطاقها، بينما تحاول الشركات الحفاظ على استقلالها الابتكاري. بين هذين الاتجاهين يتشكل مستقبل العالم الرقمي. وربما يمكن اختصار هذه المرحلة بعبارة بسيطة لكنها عميقة الدلالة: في القرن الحادي والعشرين، من يملك الخوارزمية لا يملك التكنولوجيا فقط، بل يملك جزءًا من مستقبل العالم.

* باحث ومستشار بالإعلام والتسويق الرقمي


Tags

Share your opinion

حين تطلب الدولة مفتاح الخوارزمية من يملك الخوارزمية يملك المستقبل

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.