شهدت نقابة المهندسين المصريين تحولاً لافتاً عقب معركة انتخابية حامية الوطيس، انتهت بفوز الدكتور مهندس محمد عبد الغني، القيادي الناصري وعضو البرلمان السابق، بموقع النقيب العام. وقد جاء هذا الفوز في جولة الإعادة ضد منافسه الرئيسي الوزير الأسبق هاني ضاحي، الذي كان يحظى بدعم مكثف من أجهزة السلطة وأحزابها.
وتشير الأرقام إلى أن عبد الغني نجح في حصد ضعف أصوات منافسه، وهو ما يمثل مفاجأة سياسية بالنظر إلى حجم الحشد الحكومي واللوجستي الذي سُخر لصالح الطرف الآخر. وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة كونها تأتي في ظل مشهد سياسي يتسم بالركود وهيمنة الحزب الواحد على المؤسسات التشريعية والنقابية.
تعد نقابة المهندسين من أكبر القلاع النقابية في مصر، حيث تضم في عضويتها نحو مليون مهندس، ولطالما عُرفت بأنها 'نقابة الوزراء' نظراً لتمثيل المهندسين الواسع في الحكومات المتعاقبة. هذا الثقل جعل من السيطرة عليها هدفاً استراتيجياً لحزب مستقبل وطن والقوى المتحالفة مع السلطة لضمان تمرير السياسات دون معارضة.
ويرى مراقبون أن فوز مرشح محسوب على التيار المعارض يعكس رغبة حقيقية لدى قطاع واسع من المهنيين في الحفاظ على استقلال قرارهم النقابي. فرغم محاولات 'هندسة' الانتخابات التي طالت نقابات أخرى مثل الأطباء، إلا أن المهندسين استطاعوا كسر هذا النمط عبر صناديق الاقتراع.
الانتخابات الأخيرة لم تكن مجرد منافسة على مقعد، بل كانت اختباراً لمزاج الطبقة الوسطى المصرية التي تشكل القوام الأساسي للنقابة. وقد أثبتت النتائج أن الحشد المؤسسي ونقل الموظفين عبر الحافلات الحكومية لم يضمن الولاء السياسي لحظة الوقوف خلف الستارة الانتخابية.
ويعيد هذا المشهد إلى الأذهان تجربة النقيب السابق طارق النبراوي، الذي واجه ضغوطاً كبيرة من أعضاء المجلس المنتمين لأحزاب السلطة. تلك الضغوط وصلت إلى حد محاولة سحب الثقة منه في جمعية عمومية طارئة، انتهت بتجديد الثقة فيه من قبل القواعد النقابية قبل أن يقرر عدم الترشح مجدداً.
وعلى الرغم من فوز عبد الغني بمنصب النقيب، إلا أن نتائج عضوية المجلس الأعلى للنقابة أظهرت فوزاً كبيراً لمرشحين مدعومين من حزب مستقبل وطن. هذا التباين يضع النقيب الجديد أمام تحدي التعامل مع أغلبية داخل المجلس قد لا تتوافق مع توجهاته المهنية والسياسية في المرحلة المقبلة.
فوز عبد الغني يمثل حدثاً سياسياً أكبر منه نقابياً، كونه يأتي في لحظة تشهد هيمنة شبه تامة على المجال العام.
ومن المتوقع أن تظهر الملامح النهائية لهيئة مكتب النقابة مطلع شهر أبريل المقبل، حيث سيتضح مدى قدرة النقيب على المناورة داخل المجلس. ويمتلك النقيب سلاحاً قانونياً يتمثل في العودة للجمعية العمومية في حال حدوث أي انسداد في العمل النقابي أو محاولات لعرقلة مشروعاته.
تاريخياً، عانت نقابة المهندسين من فرض الحراسة القضائية عليها منذ منتصف التسعينيات وحتى ثورة يناير، بسبب صراعات السلطة مع تيارات سياسية كانت تسيطر عليها. ويسعى المهنيون اليوم لتجنب العودة إلى تلك الحقبة عبر التمسك بالمسار الديمقراطي والانتخابات الحرة كسبيل وحيد لإدارة شؤونهم.
ترتبط نقابة المهندسين بقضايا وطنية كبرى تمس صلب الدولة المصرية، مثل ملفات الري والمياه، وتطوير العشوائيات، ومشروعات الطرق والكباري. ولذلك، فإن وجود صوت نقابي مستقل يمثل أهمية بالغة لتقديم رؤى فنية وموضوعية حول هذه المشروعات بعيداً عن التوجهات السياسية المحضة.
إن الدرس الذي قدمه المهندسون في هذه الدورة الانتخابية يتجاوز حدود النقابة ليصل إلى المجتمع ككل، مؤكداً إمكانية التغيير السلمي عبر الصناديق. فالنقابات المهنية تظل هي 'ضمير المجتمع' بما تضمه من نخب متعلمة قادرة على قيادة الرأي العام في تخصصاتها المختلفة.
ويعتقد محللون أن السلطة قد تحاول مجدداً ممارسة ضغوط عبر الأغلبية التي حصدتها في المجلس الأعلى لتقييد حركة النقيب الجديد. ومع ذلك، فإن الشرعية الكبيرة التي اكتسبها عبد الغني بفارق الأصوات الضخم تمنحه حصانة شعبية قوية داخل الوسط الهندسي.
التجربة القادمة في نقابة المهندسين ستكون محط أنظار باقي النقابات المهنية في مصر، مثل المحامين والصحفيين، لاستلهام نموذج الصمود المهني. فالحفاظ على استقلال هذه الكيانات يعد الضمانة الوحيدة لتحسين أحوال المهنيين والدفاع عن حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية.
ختاماً، يظل فوز محمد عبد الغني مؤشراً على أن السياسة في مصر لم تمت تماماً، بل انتقلت إلى ساحات النقابات المهنية كمتنفس أخير. ويبقى التحدي الأكبر هو تحويل هذا الفوز الانتخابي إلى إنجازات ملموسة تخدم مليون مهندس وتساهم في النهوض بالمهنة وتطويرها.





Share your opinion
دلالات فوز المعارضة برئاسة نقابة المهندسين المصرية: قراءة في المشهد السياسي