تتصاعد التساؤلات في الشارع العربي حول طبيعة الصراع الراهن عقب الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، حيث ذهب قطاع من المحللين والدعاة نحو ربط هذه المواجهة العسكرية بـ 'فتن نهاية الزمان'. ويأتي هذا الطرح في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات دراماتيكية منذ انطلاق العمليات في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، مما أدى إلى خسائر بشرية واقتصادية فادحة طالت العمق الإيراني والملاحة الدولية.
إن الهروب نحو التفسيرات الغيبية يمثل حالة من 'الإسعاف الكلامي' التي تهدف لتبرير غياب الأفعال الحقيقية والالتزام بالأقوال فقط على مدار عقود. هذا النمط من التفكير يسعى لتبرئة الساحة من المسؤولية التاريخية عن التراجع الحضاري، ويلقي باللوم على أقدار محتومة لا يمكن دفعها، وهو ما يعزز حالة الانكسار التي تعيشها النخب والجماهير على حد سواء.
بالتزامن مع هذه الحرب، استغل المستوطنون الإسرائيليون انشغال العالم بالملف الإيراني لتصعيد عدوانهم في الضفة الغربية، حيث سقط ستة شهداء فلسطينيين منذ بدء العمليات. وأفادت مصادر حقوقية بأن المستوطنين نفذوا أكثر من 109 اعتداءات، شملت هجمات مسلحة على قرى مثل 'أبو فلاح'، مما أدى لتهجير المئات من سكانها الأصليين تحت غطاء عسكري إسرائيلي.
إن الجزم بأننا نعيش علامات الساعة الكبرى بناءً على متغيرات سياسية هو مسلك محفوف بالمخاطر، كونه يقحم الغيب الإلهي في حسابات استراتيجية بشرية. فتقدير الزمان يظل غيباً مطلقاً، واستخدامه لتفسير سقوط 1332 قتيلاً في إيران أو اغتيال قياداتها العليا يفرغ الصراع من محتواه السياسي والجيوسياسي ويحوله إلى انتظار سلبي للنهاية.
على الصعيد الميداني، أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز لليوم العاشر إلى اضطرابات حادة في أسواق الطاقة العالمية، حيث قفزت أسعار النفط لتلامس 119 دولاراً للبرميل. هذا التصعيد الاقتصادي يترافق مع تهديدات الحرس الثوري باستهداف الموانئ الإقليمية، مما يضع المنطقة بأكملها على فوهة بركان، بعيداً عن التفسيرات الميتافيزيقية التي تروج لها بعض المنصات.
وفي مفارقة لافتة، طلبت واشنطن دعماً تقنياً من أوكرانيا لحماية قواعدها في الأردن عبر مسيرات اعتراضية، مما يكشف عن تعقيد التحالفات الدولية في هذه المواجهة. هذا الواقع المعقد يتطلب عقولاً قادرة على قراءة موازين القوى، لا الانكفاء على مقولات 'هرمجدون' التي تخدم في نهاية المطاف الرواية الصهيونية والأمريكية التي تبرر العنف باسم النبوءات.
إن الرسالة النبوية واضحة في الحث على العمل حتى في أحلك الظروف، حيث أمرنا الرسول الكريم بغرس 'الفسيلة' حتى لو قامت الساعة. هذا التوجيه يضاد تماماً حالة الاستسلام التي تروج لها مقولات نهاية الزمان، والتي تؤدي إلى شلل الإرادة السياسية والاجتماعية في مواجهة التحديات الوجودية التي تعصف بالأمة حالياً.
إن الأمة الإسلامية تتدحرج من فوق السلم العالمي منذ عدة قرون، ويسمع لسقوطها دوي رهيب.
في الداخل الفلسطيني، يواجه أكثر من 700 ألف مستوطن في الضفة والقدس الوجود الفلسطيني بزيادة وتيرة الاستيطان، حيث أعلنت الحكومة الإسرائيلية عن 22 مستوطنة جديدة. هذا التمدد الاستيطاني يجري في ظل انشغال إقليمي بالصواريخ الإيرانية التي تجاوز عددها 2000 صاروخ ومسيرة، مما يعكس استراتيجية إسرائيلية لاستغلال الحروب الكبرى لتصفية القضية الفلسطينية.
لقد أثبتت استطلاعات الرأي، ومنها استطلاع جامعة كوينيبياك أن 53% من الأمريكيين يعارضون هذا العمل العسكري، مما يشير إلى وجود مساحات سياسية يمكن التحرك من خلالها. إلا أن الانشغال بـ 'تزويق الكلام' والبحث عن مخارج غيبية يضيع فرص التأثير في الرأي العام الدولي ويترك الساحة مفتوحة للقوى الاستعمارية لتشكيل مستقبل المنطقة.
إن الأمة اليوم بحاجة إلى كلمات مخلصة تتحول إلى أفعال تناسب حجم الأخطار المحدقة، سواء في مصر أو فلسطين أو إيران. فالخلاص لن يأتي عبر انتظار المعجزات، بل عبر استعادة الموقع الحضاري الذي ضاع منذ قرون نتيجة الركون إلى الأقوال وترك العمل البناء الذي يحمي الأرض والعرض من التغول الخارجي.
لقد تسببت الحرب في نزوح مئات الفلسطينيين وإغلاق الطرق الرئيسية بالبوابات الحديدية والسواتر الترابية، وهي وقائع مادية لا يمكن مواجهتها بالخطابات الوعظية وحدها. إن تحويل الصراع إلى قضية دينية غيبية يخدم أطرافاً دولية تريد استمرار النزاع دون أفق للحل، بينما يدفع المواطن البسيط ثمن هذه المغامرات العسكرية والسياسية.
إن سقوط الأمة الذي وصفه الشيخ محمد الغزالي بـ 'الدوي الرهيب' يتجسد اليوم في انفراط 'طوفان الكلام' وغياب الرؤية الاستراتيجية الموحدة. فبينما تنشغل النخب بتعريف الشهداء أو الجدل حول علامات الساعة، تستمر الآلة العسكرية في حصد الأرواح وتدمير البنى التحتية، مما يستوجب وقفة جادة لمراجعة هذا الخطاب الانهزامي.
ختاماً إن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية تحويل هذه الأزمات إلى قوة دافعة للتغيير والإصلاح، بدلاً من جعلها مبرراً للقعود والانتظار. إن التاريخ لا يرحم الأمم التي تكتفي بالمراقبة وتفسير الأحداث وفق أهوائها، بل ينصف أولئك الذين يغرسون فسائل الأمل والعمل وسط ركام الحروب والفتن.
يجب على النخب الفكرية والسياسية في العالم العربي أن تكف عن 'فتل' الكلام وتفريع الحوارات الجانبية التي لا تغني من جوع. إن دماء الضحايا في غزة والضفة وطهران تتطلب استجابة ترتقي لمستوى الحدث، بعيداً عن الأوهام التي تبرئ ساحة المقصرين وتلقي بالمسؤولية على 'نهاية الزمان'.





Share your opinion
بين غياب الفعل وتفسيرات 'نهاية الزمان': قراءة في تداعيات الحرب على إيران وأزمات الأمة