Wed 11 Mar 2026 1:03 am - Jerusalem Time

رسالة الشيخ أبو الحسن الندوي للعالم: عيد الفطر مدرسة للشكر ومسؤولية تجاه البشرية

استهل الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي رسالته بالتأكيد على أن تشريع الصيام في الإسلام لم يأتِ للتضييق أو المشقة، بل كان مقصده الأساسي هو اليسر والخير للعباد. وأوضح أن الأيام المعدودات التي يقضيها المؤمن في الصيام تمضي سريعاً، لتترك أثراً عميقاً في الروح يتجلى في غاية كبرى وهي تكبير الله وشكره على الهداية.

يرى الندوي أن لفظ العيد، وإن لم يرد صراحة في آيات الصيام بسورة البقرة، إلا أن روحه ووظيفته تجلت في قوله تعالى 'ولتكبروا الله على ما هداكم'. فالعيد هو إعلان الامتنان لله الذي وفق العبد لإتمام الشهر في عافية وسلامة، وهو اعتراف بأن القدرة على الطاعة هي محض فضل إلهي يستوجب الثناء.

شدد الشيخ في خطابه على مفهوم 'التوفيق'، معتبراً إياه السر الحقيقي وراء استجابة المؤمنين لأوامر الله بينما يحجم آخرون رغم توفر كافة الظروف المادية لديهم. فالتوفيق هو إرادة الله للخير بعبده، وإلقاء العزم في قلبه ليزيل كافة العقبات النفسية والمادية التي تحول بينه وبين العبادة.

أوضح المقال أن التكبير في العيد ليس مجرد طقس لغوي، بل هو إعلان لهوية الأمة واعتزازها بنعمة الإسلام التي هي أعظم العطايا. وقد شرع الإسلام التكبير في الطرقات والمصليات لتمتلئ الأجواء بذكر الله، ولتشهد الأرض على عبودية الإنسان لخالقه في يوم فرحه الأكبر.

قارن الندوي بين مفهوم العيد في الإسلام وبين الأعياد لدى الأمم الأخرى، مشيراً إلى أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي لا يجعل يوم الفرح يوم عطلة عن الطاعة. فالمسلم يبدأ يوم عيده بصلاة الفجر ثم صلاة العيد، ويستمر في أداء فرائضه المعتادة دون انقطاع أو تفريط.

انتقد الشيخ النظرة التي تجعل العيد مجرد يوم للترفيه أو اللهو العابر، مؤكداً أن منهج الإسلام يقوم على زيادة العمل الصالح في مواسم السرور. فالطالب الذي يتقن درسه لا يُكافأ بالإجازة من العلم، بل يُحمل مسؤوليات أكبر، وهكذا هي الأمة الإسلامية التي حفظت أمانة الدين.

أشار الندوي إلى أن العيد في الإسلام يقوم على 'العطاء' قبل 'الأخذ'، وهو ما يتجسد في فريضة صدقة الفطر التي تسبق صلاة العيد. هذا التوازن بين إغناء الفقير والوقوف بين يدي الله يمنح العيد صبغة إنسانية واجتماعية فريدة تفتقر إليها المهرجانات المادية المعاصرة.

اعتبر الشيخ أن العالم اليوم يعيش حالة من الحرمان من 'العيد الحقيقي' بسبب الفراغ الروحي وغياب الطمأنينة والسكينة في النفوس. ورأى أن البشرية تتطلع إلى قيم الإسلام ومبادئه التي تضبط العلاقات الإنسانية وتعيد للإنسان كرامته وشرفه في التعامل بعيداً عن الماديات الجافة.

وجه الندوي نداءً حاراً للمسلمين بضرورة العودة الصادقة لدينهم ليكونوا قدوة للعالم، مؤكداً أن استعادة روح الإسلام في السلوك اليومي هي البداية الحقيقية لعيد عالمي. فالعالم لم يذق طعم السلام الحقيقي منذ قرون، والمسلمون هم المؤهلون لتقديم هذا النموذج إذا أخلصوا النية.

أعرب الشيخ عن أسفه لتلاشي التميز الأخلاقي في بعض المجتمعات الإسلامية، حيث تشابهت الممارسات مع غيرهم في قضايا كالرشوة والربا وعبادة المال. وحذر من أن فقدان 'الفرقان' الأخلاقي يضعف هيبة الأمة ويحجب نور رسالتها عن الشعوب التي تتوق للخلاص من أزماتها.

استذكر الندوي تاريخ انتشار الإسلام في مصر والعراق والشام، موضحاً أن القدوة الحسنة كانت السلاح الأقوى في تحول تلك الشعوب نحو الدين الجديد. فقد كان المسلمون الأوائل يعيشون بين الناس بروح التواضع والخدمة، مما أزال الحواجز الطبقية وجعل الإسلام يدخل القلوب قبل العقول.

أكدت الرسالة أن إقناع الناس بالحجج المنطقية قد يستغرق وقتاً طويلاً، لكن السيرة العطرة والأخلاق السامية قادرة على صياغة المجتمعات في قالب واحد من الانسجام. وهذا ما حدث في القرون الأولى حين كان الناس ينجذبون للإسلام بمجرد رؤية سلوك المسلم في تجارته وحياته.

ختم الشيخ الندوي بالتأكيد على أن مسؤولية الأمة في العيد هي تجديد العهد مع الله على الاستقامة والثبات، وتقديم صورة حية لجمال الإسلام وعدله. فالعيد ليس مجرد ذكرى عابرة، بل هو محطة للتزود بالتقوى التي تمكن المؤمن من التمييز بين الحق والباطل في عالم مليء بالفتن.

إن الرسالة في جوهرها هي دعوة للتحرر من قيود المادية والعودة إلى رحاب الروحانية التي تمنح العيد معناه الحقيقي. فالمسلم الحق هو من يجعل من فرحه وسيلة للتقرب إلى الخالق ونفع الخلائق، محققاً بذلك غاية الاستخلاف في الأرض وشكر النعمة بالعمل لا بالقول فقط.

Tags

Share your opinion

رسالة الشيخ أبو الحسن الندوي للعالم: عيد الفطر مدرسة للشكر ومسؤولية تجاه البشرية

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.