تواجه دولة الاحتلال ضغوطاً اقتصادية متزايدة تتزامن مع استمرار العمليات العسكرية الواسعة ضد إيران ولبنان، حيث تبرز أزمة الميزانية العامة لعام 2026 كأحد أكبر التحديات الداخلية. وتجري حالياً نقاشات محتدمة بين وزارتي المالية والحرب حول الأرقام النهائية للموازنة، في ظل عدم وضوح الرؤية بشأن التكاليف الفعلية للعمليات العسكرية المستمرة.
أفادت مصادر اقتصادية بأن الفجوة بين تقديرات الميزانية السابقة والواقع الميداني أصبحت شاسعة جداً، مما يهدد بفقدان السيطرة على العجز المالي. وأشارت المصادر إلى أن المبالغ التي كانت تخصص لحروب سابقة لم تعد تكفي لتغطية نفقات أيام قليلة من المواجهة الجوية المكثفة الحالية.
كشفت تقارير صحفية أن سلاح الجو الإسرائيلي استهلك في يومين فقط ما يعادل 20 مليار شيكل، وهو المبلغ ذاته الذي كلفته حرب كاملة استمرت 12 يوماً في صيف عام 2025. هذه القفزة الهائلة في النفقات جعلت من ميزانية الـ 112 مليار شيكل المقترحة سابقاً أرقاماً غير واقعية ولا تلبي الاحتياجات الميدانية.
تتصاعد المطالب داخل المؤسسة الأمنية بضرورة تحديث ميزانية الجيش لتتجاوز سقف 144 مليار شيكل الذي كان مقترحاً قبل اندلاع المواجهة المباشرة. ويرى مراقبون أن التأخر في حسم هذه الأرقام يرسل إشارات سلبية للأسواق العالمية ويزيد من حالة الارتباك لدى المستثمرين الأجانب.
في المقابل، تثير التوجهات الحكومية لتخصيص مليارات الشواكل للمدارس الدينية التابعة للحريديم غضباً واسعاً في الأوساط السياسية والاقتصادية. ويُنتقد هذا التوجه باعتباره تقديماً للمصالح الحزبية والائتلافية على حساب مقتضيات الأمن القومي والضرورات الاقتصادية الملحة في وقت الحرب.
انتقدت عضو الكنيست ميراف كوهين بشدة إصرار رئيس الحكومة ووزير المالية على إدراج 5 مليارات شيكل كأموال ائتلافية ضمن الميزانية الجديدة. واعتبرت كوهين أن هذا السلوك يعكس عدم مسؤولية في ظل خوض إسرائيل حرباً تكلف عشرات المليارات وتستنزف موارد الدولة بشكل غير مسبوق.
حذر خبراء اقتصاديون من أن الإصرار على توزيع الغنائم السياسية في زمن الحرب سيؤدي حتماً إلى زيادة العجز المالي وتدهور ثقة المستثمرين. كما نبهوا إلى أن استمرار هذا النهج قد يدفع وكالات التصنيف الدولية إلى خفض التصنيف الائتماني لإسرائيل، مما سيزيد من كلفة الاقتراض مستقبلاً.
ما أنفقه الجيش في حرب الـ 12 يوماً عام 2025، استهلكه سلاح الجو في يومين فقط من المواجهة الحالية.
أوضحت مصادر متخصصة في الشؤون الاقتصادية أن استمرار المواجهة مع إيران يعزز المخاوف من موجة تضخم جامحة تضرب الأسواق المحلية. وتتوقع هذه المصادر أن تتأثر قطاعات البنوك والتأمين والعقارات بشكل مباشر وقاسٍ نتيجة حالة عدم اليقين السائدة وطول أمد الصراع.
تسببت الحرب في خلق اضطرابات واسعة في سلاسل التوريد العالمية، خاصة مع امتداد العمليات العسكرية لمسافات تصل إلى 2000 كيلومتر بعيداً عن الحدود. هذا البعد الجغرافي فرض تكاليف لوجستية إضافية لم يعهدها الاقتصاد الإسرائيلي في مواجهاته السابقة، مما انعكس على أسعار السلع الأساسية.
سجلت أسعار وقود الطائرات والشحن البحري والبري ارتفاعات ملحوظة، مما أثر بشكل تراكمي على تكاليف الإنتاج في الصناعات المختلفة ومحطات الطاقة. وتؤكد التقارير أن هذه الارتفاعات بدأت تترجم بالفعل إلى زيادات ملموسة في أسعار المستهلك النهائي، مما يثقل كاهل الإسرائيليين.
تبدو الأحلام التي روجت لها الحكومة الإسرائيلية سابقاً حول 'شرق أوسط جديد' واتفاقيات سلام إقليمية بعيدة المنال في ظل الواقع الحالي. فقد أثبتت التطورات الميدانية قدرة المواجهة المباشرة على إلحاق أضرار هيكلية بالاقتصاد، وتعطيل مسارات النمو التي كانت متوقعة من التعاون الإقليمي.
تسيطر حالة من القلق على قطاع التجارة الدولية المرتبط بإسرائيل نتيجة عدم وضوح الأفق السياسي والعسكري لنهاية الحرب. ويشير محللون إلى أن صافرات الإنذار المستمرة وسقوط القتلى والجرحى يساهمان في خلق بيئة طاردة للاستثمار ومحبطة للنشاط التجاري اليومي.
وجهت انتقادات حادة لوزير المالية والحكومة الحالية، حيث وُصفت بأنها 'حكومة دمية' لا تدرك حجم الكارثة الاقتصادية المحدقة. ويرى منتقدون أن غياب خطة طوارئ اقتصادية حقيقية يعكس استهتاراً بالواقع، وكأن الحكومة تعتقد أن الحروب يمكن خوضها دون أثمان باهظة.
في نهاية المطاف، يجد الاقتصاد الإسرائيلي نفسه بين مطرقة النفقات العسكرية المتصاعدة وسندان الالتزامات السياسية الضيقة للحكومة. ومع غياب أي بوادر لنهاية قريبة للقتال، تظل الموازنة العامة لعام 2026 مجرد أرقام على ورق تفتقر إلى الواقعية والقدرة على مواجهة الأزمات المتلاحقة.





Share your opinion
أزمة الموازنة الإسرائيلية: تكاليف الحرب مع إيران تلتهم المليارات وتهدد الاستقرار الاقتصادي