Mon 09 Mar 2026 1:20 pm - Jerusalem Time

ولاية الفقيه بين التنظير الفقهي وبناء الدولة: قراءة نقدية في تحولات الثورة الإيرانية

تعد الثورة الإيرانية عام 1979 لحظة مفصلية في التاريخ المعاصر، حيث أعادت الدين إلى مركز المجال السياسي بعد عقود من هيمنة العلمانية. ولم تكن هذه الثورة مجرد تغيير لنظام الشاه، بل كانت محاولة لتأسيس نموذج لدولة دينية حديثة تعيد صياغة العلاقة بين السلطة والفقه.

تبرز نظرية 'ولاية الفقيه' كحجر زاوية في الأيديولوجيا الرسمية للدولة الإيرانية، وهي النظرية التي منحت المرشد الأعلى سلطات شبه مطلقة. ويرى الباحثون أن هذا المفهوم أحدث تحولاً جذرياً في بنية المجتمع الإيراني، وأثار صراعات عميقة داخل المؤسسة الدينية التقليدية.

يشير الدكتور نبيل الحيدري في كتابه 'إيران من الداخل' إلى أن نظرية الخميني مثلت قطيعة معرفية مع فكر 'ولاية الأمة على نفسها'. هذا الفكر الإصلاحي كان قد صاغه الميرزا النائيني إبان الثورة الدستورية عام 1906، مؤكداً على حق الأمة في تقرير مصيرها.

بدأت ملامح هذه النظرية تتبلور خلال فترة لجوء الخميني إلى النجف بين عامي 1963 و1978، حيث طرح أفكاره في دروس جُمعت لاحقاً في كتاب 'الحكومة الإسلامية'. ومع ذلك، واجهت هذه الأطروحات رفضاً واسعاً من كبار فقهاء ومراجع النجف في ذلك الوقت.

استند الخميني في شرعنة ولاية الفقيه إلى تأويلات خاصة لآيات قرآنية وأحاديث نبوية، من أبرزها آية 'أولي الأمر'. واعتبر خصومه الفقهيون أن حصر 'أولي الأمر' بالفقهاء هو رأي شاذ يخالف الإجماع الشيعي الذي يحصرها في الأئمة المعصومين فقط.

تسببت هذه الرؤية السياسية في إقصاء تيارات فكرية ودينية عديدة شاركت في الثورة ضد الشاه في بداياتها. وتحولت الشعارات الاقتصادية والاجتماعية التي رفعتها الجماهير إلى أدوات لتعزيز سلطة طبقة معينة من رجال الدين المقربين من دوائر القرار.

على الصعيد الداخلي، واجه النظام الإيراني تحديات كبيرة من الأقليات العرقية، لا سيما في كردستان وخوزستان (عربستان). واتسم التعامل الرسمي مع هذه المطالب بالتشدد، حيث سعت الدولة لتثبيت مفهوم 'الدولة-الأمة' ببعدها القومي الفارسي تحت غطاء ديني.

يرصد المحللون أن صعود ولاية الفقيه أدى إلى تراجع حركة الإصلاح الإسلامي التي كانت تسعى للتوفيق بين المعاصرة والتراث. وبدلاً من ذلك، سادت رؤية تمنح الولي الفقيه صلاحيات تتجاوز الدستور، مما أدى إلى توتر دائم بين الشرعيتين الفقهية والشعبية.

لم يسلم الوسط الديني من التبعات، حيث وُضع مراجع كبار تحت الإقامة الجبرية بسبب معارضتهم للنظرية الرسمية. ومن بين هؤلاء المراجع شريعتمداري والروحاني والشيرازي، الذين طُمست آثارهم العلمية ومُنع تشييعهم بشكل رسمي بعد وفاتهم.

توسعت طموحات النظام الإيراني لتشمل 'تصدير الثورة' إلى الجوار الإقليمي، مما أثر بشكل مباشر على استقرار دول مثل العراق ولبنان واليمن. هذا التوسع الخارجي استنزف موارد الدولة وأدى إلى نشوء أزمات اقتصادية خانقة يعاني منها المواطن الإيراني اليوم.

تشهد إيران حالياً فجوة متزايدة بين جيل الشباب، وخاصة الجامعيين، وبين النخبة الحاكمة التي تتمسك بالثوابت الأيديولوجية للثورة. وتتجلى هذه الفجوة في الاحتجاجات المتكررة التي تطالب بالحرية والكرامة الإنسانية بعيداً عن وصاية المؤسسة الدينية.

الصراعات داخل أجنحة السلطة نفسها كشفت عن هشاشة التحالفات السياسية المبنية على المصالح، كما حدث في التنافس بين رفسنجاني وخامنئي. هذه الانقسامات أدت إلى مراجعات علنية من قبل شخصيات كانت في السابق من أشد المدافعين عن ولاية الفقيه.

يعاني المجتمع الإيراني من تناقض صارخ بين الوعود المبكرة للثورة بالعدالة الاجتماعية وبين الواقع المعيشي الصعب. فبينما تتركز الثروات في يد فئة محدودة، تهاجر الملايين من الكفاءات الإيرانية بحثاً عن مستقبل أفضل في الخارج.

في الختام، يظل النقاش حول ولاية الفقيه نقاشاً مفتوحاً يتجاوز حدود الفقه ليصل إلى مستقبل الدولة الإيرانية وهويتها. إن التوتر بين تطلعات الشعوب نحو الديمقراطية وبين جمود النص الأيديولوجي سيظل المحرك الأساسي للتحولات القادمة في المنطقة.

Tags

Share your opinion

ولاية الفقيه بين التنظير الفقهي وبناء الدولة: قراءة نقدية في تحولات الثورة الإيرانية

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.