Sun 08 Mar 2026 9:42 am - Jerusalem Time

على حافة الخراب.. وردة

من بين حجارةٍ كانت يوماً جدران بيت،  ومن بين أعمدةٍ انكسرت مثل عظامٍ متعبة، جلستا… ليس لتعدّا الخسائر،  ولا لتندبا ما مضى…
بل لتخيطا ما تبقّى من المعنى.
في غزة، بعد أن هدأت المدافع قليلاً،
لا يعود الناس إلى الحياة دفعةً واحدة؛ إنهم يعودون إليها خيطاً خيطاً.
جلستا فوق كرسيين بلاستيكيين بسيطين، كأنهما تقيمان ورشة صغيرة للذاكرة وسط الركام.
حولهما بيوتٌ سقطت، وأسقفٌ انحنت، وأبوابٌ لم تعد تعرف إلى أي غرفةٍ كانت تؤدي…
لكن بين أيديهما قماشٌ أبيض، وعلى القماش تنمو ألوان حمراء
كأنها شقائق نعمان خرجت من قلب التراب.
كانت الإبرة تمضي ببطء، كأنها تعيد رسم البلاد من جديد.
كل غرزةٍ تقول إن البيت قد يسقط، لكن الحكاية لا تسقط…
وكل خيطٍ أحمر يمرّ في القماش يشبه شرياناً صغيراً يعيد الدم إلى جسد المكان.
لم تكن الغرز مجرد تطريز؛ كانت ترتيباً للصبر،وتثبيتاً للذاكرة، ومحاولة هادئة لرتق ما مزقته الحرب.
الركام خلفهما كان صاخباً بصمته، لكن بين أيديهما كانت الحياة تمارس عملها القديم: أن تبدأ من أبسط الأشياء.
ففي غزة، بعد الحرب، لا تُبنى المدن بالإسمنت وحده… تُبنى أيضاً بإبرةٍ صغيرة، وخيطٍ ملوّن، ويدين تؤمنان أن ما يُطرَّز بالصبر
لا تستطيع الحروب اقتلاعه.

Tags

Share your opinion

على حافة الخراب.. وردة

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.