تنطلق الرؤية في هذا المقال من دلالات اسم النبي يحيى، أو 'يوحنا المعمدان' كما في السردية المسيحية، والذي يحمل معنى 'الحنان من الله'. إن الدافع للكتابة يتجاوز البعد الشخصي المرتبط بتسمية الأحفاد، ليتصل بجوهر الرسالة التي صوّبها يحيى عليه السلام في سلوكه، مبرزاً معاني الحنان والقوة في آن واحد.
يمثل يحيى وعيسى عليهما السلام معجزتين في الخلق أنهتا نبوة بني إسرائيل في النسل، حيث جاءا برسائل سماوية إلى قوم وصلوا إلى مرحلة من الفساد لا يمكن إصلاحها. إن المقارنة بين أقوام الأمس واليوم تكشف تشابهاً مخيفاً في إدارة المشهد من مراكز القوة العالمية، حيث تسود سرديات تتهم المبادئ بالخرافة وتغذي التطرف.
تتجلى رسالة يحيى عليه السلام في الأمر الإلهي 'خذ الكتاب بقوة'، وهي دعوة لم تكن تعني الجبروت أو التسلط، بل ركزت على قوة المعرفة والخطاب والصمود. في واقعنا المعاصر، يُساء فهم القوة لتصبح أداة للفساد، بينما أرادها يحيى إحكاماً للفهم في الشريعة والسياسة قبل ممارسة السلطة.
إن الحكم الحقيقي، كما يستنبط من سيرة يحيى، هو السلطة المعرفية والقدرة على فهم احتياجات الأمة وبيئتها قبل الانزلاق في دوار الظلم. هذا الفهم العميق هو ما يمنع الآدمية من الخروج عن رسالتها السامية، ويحمي المصلحين من الوقوع في فخ الاستبداد الذي يخرج الإنسان عن فطرته.
لقد سأل زكريا ربه أن يرزقه ولداً يرث علمه ورسالة آل يعقوب، بعدما انشغل رجال الدين في عصره بالمضاربات وتحول الهيكل إلى مركز للتجارة. كان زكريا يبحث عن مؤتمن على الرسالة في زمن انتشر فيه الفساد، فأراد الله أن يقيم الحجة على قوم فقدوا أهلية حمل الأمانة.
تكررت مأساة التاريخ عندما أُهدر دم نبي معجزة كان صارماً في الحق، لتصبح قصة يحيى نموذجاً يتكرر في كل زمان ومكان. فالمصلحون اليوم يجدون أنفسهم على 'مذبح هيرودس'، حيث تُقدم رؤوسهم قرابين لغواية التفاهة التي تمثلها 'سالومي' العصر الحديث برقصاتها السياسية.
يشير النص القرآني في قوله 'وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت' إلى استخدام الفعل المضارع في حالة الموت، وهو ما يوحي باستمرارية حالة الشهادة والمظلومية. إن هذا التعبير يدل على ولادة متجددة للمصلحين، رغم تكرار قهر الاستبداد والجهل للعلم والمعرفة في كل العصور.
القوة التي عرفها يحيى هي قوة المعرفة وقوة الخطاب والصمود على المبدأ، وأما الحكم فهو ليس السلطة وإنما الإلمام المعرفي.
لا يزال 'يحيى' يُضطهد في عصرنا الحالي، حيث تُساق رؤوس أصحاب الفكر إلى السجون لإرضاء رغبات التافهين والمفسدين الذين يتصدرون المشهد. ورغم أن الفساد الكبير يبدو مسيطراً على العالم، إلا أنه يظل في جوهره مقهوراً ومهزوماً أمام ثبات المبادئ وقوة الحق.
عمل يحيى والمسيح عليهما السلام لهدف واحد، وكان عداء الناس لهما دليلاً كافياً على انعدام فرص الإصلاح في تلك البيئة. لقد تحول الدين في أيديهم إلى وسيلة للخداع والتسلط، فكان قتل يحيى بمثابة محاولة لقتل العلم والشريعة والصلة المباشرة بالخالق.
إن تجربة بني إسرائيل وما حل بهم من طغيان كانت درساً للبشرية، لتمهد الطريق لانتقال الرسالة إلى فرع إسماعيل وظهور الإسلام كرسالة خاتمة. جاء النبي الخاتم بكتاب يحمل شريعة سمحاء وفرقاناً يفصل بين الحق والباطل، ليكون المرجع الدائم لحل مشكلات الأمة.
الحكمة تقتضي استقراء الواقع والعودة إلى جوهر الكتاب لاستنباط الحلول التي تصلح لكل زمان ومكان، بعيداً عن الانجرار خلف التفاهة. عندما يتبنى الناس فكرة يحيى والمسيح في الصمود المعرفي، يبدأ الإصلاح الحقيقي، أما التراجع فيعني الوقوف في صف من ظنوا أنهم أعدموا الرسالة.
إن الصراع بين العلم والجهل، وبين المصلح والمستبد، هو صراع أزلي لا ينتهي بموت الأشخاص، بل يستمر باستمرار الرسالة. يحيى عليه السلام لم يكن مجرد نبي في التاريخ، بل هو رمز لكل من يرفض بيع مبادئه مقابل كراسي السلطة الزائلة أو إرضاءً لأهواء العبيد.
في نهاية المطاف، يبقى 'الحنان' الذي حمله اسم يحيى هو القوة الناعمة التي تواجه قسوة العالم، وهو المعنى الذي يجب أن يستلهمه المصلحون. إن القوة الحقيقية تكمن في القدرة على الحفاظ على الإنسانية والرحمة في قلب المعارك الكبرى ضد الفساد والطغيان العالمي.
يختتم المقال بالتأكيد على أن العودة إلى 'الكتاب' بقوة المعرفة هي السبيل الوحيد للخروج من تيه التفاهة والفساد الذي يطبق على العالم اليوم. إن استلهام سيرة الأنبياء ليس مجرد ترف فكري، بل هو ضرورة وجودية لاستعادة البوصلة الأخلاقية والسياسية في مواجهة التحديات الراهنة.





Share your opinion
يحيى والمسيح: رسائل القوة والمعرفة في مواجهة طغيان التفاهة