Wed 04 Mar 2026 2:33 pm - Jerusalem Time

استراتيجية حافة الهاوية: لماذا تراهن إيران على توسيع رقعة الصراع الإقليمي؟

يشهد المشهد الإقليمي تحولاً دراماتيكياً مع اتجاه طهران لتوسيع نطاق ضرباتها العسكرية لتشمل أهدافاً حيوية في دول الخليج وصولاً إلى قبرص. هذا التحول يخرج الصراع من إطاره الثنائي التقليدي ليحوله إلى مواجهة إقليمية مفتوحة تثير تساؤلات كبرى حول الأهداف الاستراتيجية الكامنة خلف هذا التصعيد الجريء.

تتمثل القراءة الأولى لهذا السلوك في الرغبة الإيرانية المباشرة باستهداف الوجود الأمريكي في المنطقة، والانتقال من سياسة الردع المتبادل إلى محاولة كسر الهيمنة. تسعى طهران من خلال ذلك لإيصال رسالة مفادها أن أي مواجهة عسكرية لن تظل محصورة داخل حدودها الجغرافية، بل ستطال المصالح الأمنية والعسكرية لواشنطن في المنطقة برمتها.

يضع هذا التصعيد الإدارة الأمريكية أمام معادلة معقدة، حيث تحاول إيران إقناع صانع القرار في البيت الأبيض بأن تكلفة بقاء النظام الحالي أقل بكثير من تكلفة محاولة إسقاطه. إنها مقامرة تهدف إلى رفع فاتورة الحرب إلى مستويات لا يمكن للقوى الكبرى تحملها، خاصة في ظل الحساسية المفرطة لأسواق الطاقة العالمية.

من الناحية الجغرافية، يؤدي توسيع مسرح العمليات إلى خلط الأوراق السياسية والأمنية بشكل يعقد حسابات جميع الأطراف المنخرطة. فدول الخليج تجد نفسها في موقف حرج بين التزاماتها التحالفية مع واشنطن وبين ضرورة الحفاظ على استقرارها الداخلي وتجنب الانزلاق إلى أتون حرب مدمرة.

دخول أطراف أوروبية مثل قبرص في دائرة التهديد يهدف إلى جر الاتحاد الأوروبي للانخراط بشكل أكبر في المسارات السياسية والأمنية للأزمة. هذا التوسع الجغرافي ليس بالضرورة إعلاناً لحرب شاملة، بل قد يكون أداة ضغط قصوى لإجبار القوى الدولية على إعادة النظر في استراتيجياتها تجاه طهران.

تطرح هذه التحولات تساؤلاً جوهرياً حول مدى شعور القيادة الإيرانية بوجود ظهير دولي أو إقليمي يسند تحركاتها الأخيرة. فالمعطيات الميدانية تشير إلى تراجع نسبي في قدرات الحلفاء الإقليميين، أو ما يعرف بالأذرع، بعد سلسلة من الضربات القاسية التي أضعفت فاعليتهم في ميزان القوى الحالي.

على الصعيد الدولي، تبدو شبكة التحالفات الإيرانية مع القوى الكبرى المنافسة لواشنطن محاطة بالكثير من الغموض والحذر. فرغم التقاطع في المصالح، لا يبدو أن الحلفاء الدوليين مستعدون لتقديم دعم عسكري نوعي ومباشر يغير موازين القوى الجوية أو الصاروخية لصالح طهران في الوقت الراهن.

الموقف الصيني يبرز كأحد أكثر المواقف تعقيداً، حيث تكرر بكين نفيها تزويد إيران بتقنيات عسكرية متطورة مثل صواريخ كروز المضادة للسفن. ويأتي هذا النفي أحياناً من قنوات دبلوماسية حساسة، مما يشير إلى رغبة الصين في الحفاظ على توازن دقيق بين مصالحها مع إيران وعلاقاتها الدولية الأخرى.

أما روسيا، التي استفادت بشكل ملحوظ من تكنولوجيا المسيرات الإيرانية في حربها ضد أوكرانيا، فلم تظهر حتى الآن تحركاً ملموساً لتعزيز الدفاعات الإيرانية. ويبدو أن موسكو تكتفي بمراقبة استنزاف القدرات الأمريكية في الخليج دون الانخراط المباشر في حماية الأجواء الإيرانية من الهجمات المحتملة.

رغم أن سقوط النظام في إيران قد يضر بالمصالح الاستراتيجية لكل من بكين وموسكو، إلا أن دعمهما يظل محكوماً بحسابات الربح والخسارة الدولية. ويبقى التساؤل قائماً حول ما إذا كان هذا الصمت الروسي الصيني هو جزء من استراتيجية أوسع لاستنزاف الولايات المتحدة في صراع إقليمي طويل الأمد.

في ظل هذه المعطيات، يبرز ما يمكن تسميته بـ 'الخيار الشمشوني' كأحد التفسيرات المحتملة للسلوك الإيراني الحالي في المنطقة. هذا الخيار يفترض أن طهران، لإدراكها الفوارق العسكرية التقليدية، تسعى لرفع كلفة الحرب إلى الحد الذي يجعل الجميع خاسراً في حال وقوع المواجهة الشاملة.

بالمقابل، يمكن فهم التحركات الإيرانية كاستراتيجية بقاء محسوبة بدقة، حيث لا تهدف طهران إلى تحقيق انتصار عسكري كلاسيكي على خصومها. الهدف الحقيقي هو منع الخصم من تحقيق أهدافه السياسية والعسكرية، مما يجعل مجرد استمرار النظام وبقائه قائماً بمثابة نصر استراتيجي بحد ذاته.

تراهن القيادة الإيرانية في مناوراتها الحالية على أن المجتمع الدولي لن يسمح بانهيار كامل للدولة الإيرانية خوفاً من الفوضى العارمة التي قد تتبع ذلك. هذا الرهان يمنح طهران هامشاً للمغامرة المحسوبة، معتمدة على فكرة أن 'الحرب القذرة' والمكلفة هي البديل الوحيد المتاح أمام خصومها.

ختاماً، يبقى السؤال الجوهري معلقاً حول قدرة إيران على الصمود في هذه المواجهة المفتوحة وتحويل 'البقاء' إلى إنجاز سياسي دائم. كما يبقى التساؤل موجهاً للأطراف الدولية والإقليمية حول مدى استعدادها لتحمل التبعات الاقتصادية والأمنية الهائلة التي قد تترتب على محاولة تغيير الواقع السياسي في طهران بالقوة.

Tags

Share your opinion

استراتيجية حافة الهاوية: لماذا تراهن إيران على توسيع رقعة الصراع الإقليمي؟

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.