Wed 04 Mar 2026 10:00 am - Jerusalem Time

عندما تتحول الكلمات إلى رصاص: الإعلام الغربي وشريكه في الحرب على غزة


في التاسع من أكتوبر 2023، وقف السفير الفلسطيني لدى المملكة المتحدة، حسام زملط، أمام مذيعة "بي بي سي" كيرستي وارك، ليخبرها بأن ستة من أفراد عائلته قضوا في القصف الإسرائيلي على غزة. كان يتحدث عن ابنة عمه آية وطفليها وزوجها وحماتها واثنين من أقاربها، وعن توأم يبلغ من العمر سنتين يرقدان في العناية المركزة. فكان رد المذيعة: "آسفة لخسارتك الشخصية. لكن هل يمكنني أن أكون واضحة؟ لا يمكنك التغاضي عن قتل المدنيين في إسرائيل، أليس كذلك؟" .
هذه ليست مجرد زلة لسان عابرة في استوديو مزدحم. إنها لحظة تكشف عن قناع طالما أخفت وراءه وسائل الإعلام الغربية وجهها الحقيقي في تغطيتها للقضية الفلسطينية. إنها ليست مجرد حادثة معزولة، بل هي عين العاصفة التي تفضح معياراً صناعياً راسخاً: تجريد الفلسطيني من إنسانياته، وتحويل مأساته إلى خبر عابر يُقرأ كما تُقرأ نشرة الطقس.
 
 
ازدراء الضحايا: عندما يصبح الموت الفلسطيني خبراً عادياً
 
"سماء غائمة، أمطار خفيفة، و3000 قتيل فلسطيني في الأيام العشرة الماضية" . بهذه العبارة الصادمة وصف الكاتب الفلسطيني تجربته مع الإعلام الغربي، حيث يتحول الموت الجماعي لشعب بأكمله إلى مجرد رقم يضاف إلى خانة الإحصائيات اليومية. وكما هو الحال مع الطقس، يبقى الإله وحده هو المسؤول، وليس المستوطنون المسلحون، ولا طائرات F-16 التي تمطر البيوت الآمنة بالصواريخ.
هذه الظاهرة ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج تراكم عقود من الخطاب المناهض للفلسطينيين، الذي تغذى جيداً عبر سنوات من الأسلمة السياسية والخوف الممنهج من "الآخر" الشرقي. لقد أصبح الصحفيون الغربيون يستدعون الفلسطينيين إلى استوديوهاتهم ليس للاستماع إلى تجاربهم أو تحليلاتهم، بل لمحاكمتهم في جلسات استجواب علنية، حيث يتم اختبار إجاباتهم مقابل تحيزات المشاهدين التي صيغت بعناية فائقة .
إنها مفارقة مذهلة: القنابل التي تنهمر على قطاع غزة المحاصر تصبح ثانوية، إن لم تكن غير ذات صلة على الإطلاق، أمام "محاكمات" الفلسطينيين المتلفزة. يصبح السؤال الأهم: كيف تجرؤون على الدفاع عن أنفسكم؟ ولماذا قُتلتم بهذه الطريقة التي لا ترقى إلى مستوى "المعايير الإنسانية" المطلوبة للتعاطف معكم؟
 
 
فبركة الادعاءات: أطفال مقطوعو الرأس و"الدولة الإسلامية" الجديدة
 
في الأيام الأولى للعدوان على غزة، اشتعلت وسائل الإعلام الغربية بخبر مذهل: مقاتلو حماس "يقطعون رؤوس الأطفال ويغتصبون النساء". نشرت صحيفة "الإندبندنت" البريطانية على صفحتها الأولى تقارير "يتعذّر التحقق منها" عن نساء وأطفال مقطوعي الرأس. وعلى شبكة "سي إن إن"، أكدت المذيعة سارة سيدنر، بعينين دامعتين، على الهواء مباشرة، استناداً إلى مصادر إسرائيلية رسمية، أنه "تم العثور على أطفال ورضّع مقطوعي الرأس" .
ولم تمض ساعات حتى تبين أن الخبر برمته كان أكذوبة كبرى. اعتذرت سيدنر لاحقاً على منصة "إكس" بأنها "تم تضليلها" بعد بيان إسرائيلي يعترف بعدم وجود معلومات تؤكد الادعاء. لكن الضرر كان قد وقع بالفعل. فالعناوين الرئيسية طُبعت في الأذهان، والكراهية تغلغلت في القلوب، والخطاب المعادي للفلسطينيين وجد مبرره الجديد .
هذه هي قواعد اللعبة المألوفة: يتم تعميم الادعاء دون دليل، ينشره الصحفيون الغربيون كالنار في الهشيم، يردده الدبلوماسيون والسياسيون، يُبنى السرد، ويصدقه العامة. وعندما يتبين زيف الادعاء، يكون الأوان قد فات. فالصور النمطية العنصرية قد ترسخت، وشرعية القتل قد تأسست، والدماء الفلسطينية أصبحت مباحة أكثر من أي وقت مضى.
الأخطر من ذلك هو محاولة ربط حماس بتنظيم "الدولة الإسلامية" في مخيلة الجمهور الغربي. إنها استراتيجية علاقات عامة إسرائيلية ممنهجة تهدف إلى إحياء ثقافة "الحرب على الإرهاب" التي أهدرت ملايين الأرواح في العقدين الماضيين، وأعادت رسم الشرق الأوسط على مقاس المشروع الاستعماري الجديد .
 
 
حذف الإبادة: حين تصبح الشهادة غير لائقة للنشر
 
لكن الأمر لا يتوقف عند حدود نشر الأكاذيب، بل يمتد إلى حذف الحقائق التي لا تخدم السردية الإسرائيلية. عندما نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" تعليمات وزير الدفاع الإسرائيلي بتشديد الحصار على غزة وقطع المياه والكهرباء والغذاء عن القطاع، حذفت الصحيفة ببساطة وصف الوزير للفلسطينيين بأنهم "حيوانات بشرية" .
وعندما حاول الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ تبرير الهجوم العنيف على غزة بحجة "الأمة بأكملها مسؤولة"، نشرت صحيفة "فايننشال تايمز" في البداية قوله: "ليس صحيحًا هذا الخطاب حول عدم وعي المدنيين وعدم تورطهم"، ولكن سرعان ما حُذف ذلك التصريح وبقية بيانه الكاشف من المقال .
إنه تشذيب متعمد للوقائع، وتنقية للسردية من شوائب الإبادة التي لا تطاق. في الثالث عشر من أكتوبر 2023، أكد مركز الحقوق الدستورية أن إسرائيل، من خلال اتخاذ إجراءات "لتدمير مجموعة كليًا أو جزئيًا، بما في ذلك عن طريق القتل أو خلق ظروف معيشية لتدمير تلك المجموعة"، ترتكب إبادة جماعية في قطاع غزة. وبعد يوم واحد، أطلق معهد ليمكين لمنع الإبادة الجماعية نداء استغاثة حذر فيه من أن المجتمع الدولي في غزة على مشارف الإبادة الجماعية وسيكون متواطئًا فيها .
لكن هذه التحذيرات المرعبة لم تجد طريقها إلى العناوين الرئيسية. فوسائل الإعلام المؤسساتية كانت مشغولة بحماية قرائها ومشاهديها من التصريحات الهائلة التي تشير إلى أن الإبادة الجماعية ليست مجرد احتمال، بل هي جارية أمام أعيننا.
 
 
خطاب الكراهية وتداعياته القاتلة
 
قد يبدو من السخيف إعطاء أهمية لطريقة القتل في مواجهة حقيقة القتل ذاتها. لكن مثل هذه اللغة لا تخلو من عواقب وخيمة. ففي اليوم نفسه الذي كانت فيه وسائل الإعلام تردد أكذوبة "الأطفال مقطوعي الرأس"، هاجم مالك عقار في ولاية إلينوي الأمريكية مستأجرين من أصل فلسطيني، مما أدى إلى إصابة امرأة بجروح خطيرة ومقتل طفلها البالغ من العمر ست سنوات. كان الجاني يصرخ وهو يطعنهم أكثر من اثنتي عشرة مرة: "أنتم أيها المسلمون، يجب أن تموتوا" .
وعندما أعرب الرئيس جو بايدن عن "صدمته واشمئزازه" من الهجوم، كان يتجاهل أنه قبل أيام قليلة فقط، كان هو نفسه قد صرح بأنه رأى "صورًا لإرهابيين يقطعون رؤوس الأطفال" – وهو ادعاء تراجع عنه بهدوء بعد ساعات .
إن استحضار الاغتصاب وقطع الرؤوس يتغذى على استعارات معادية للإسلام عميقة الجذور في اللاوعي الغربي. إنه يعمل جنباً إلى جنب مع استراتيجية إسرائيلية ممنهجة لإعادة إنتاج "الحرب على الإرهاب" بثوب جديد، وتبرير ما لا يمكن تبريره باسم محاربة "وحشية" الطرف الآخر.
 
 
ضباب الحرب أم تواطؤ ممنهج؟
 
ربما يكون ضباب الحرب هو الذي دفع المراسلين إلى تكرار الافتراءات، أو ربما تكون هفوة في الحكم هي التي تدفعهم إلى مقارنة هجوم حماس بأحداث الحادي عشر من سبتمبر دون النظر إلى تداعيات مثل هذه المقارنات. ويمكن للمرء أن يجادل بأنه سوء ممارسة صحفية بحتة .
لكن تكرار النمط ذاته عبر عقود، عبر حروب ومجازر متعددة، يشير إلى أن المسألة أعمق من مجرد أخطاء فردية. إنها ثقافة صحفية راسخة تنظر إلى الفلسطيني باعتبORE ضيفاً غير مرغوب فيه على مسرح التاريخ، وإنساناً من الدرجة الثانية لا يستحق نفس المعايير المهنية المطبقة على الضحايا الآخرين.
ففي حرب أوكرانيا، كان الصحفيون الغربيون يبكون على الهواء وهم يغطون مأساة المدنيين الأوكرانيين. وفي غزة، يتحولون إلى محامين للمدعي العام يبحثون عن ثغرات في رواية الضحايا، ويتساءلون بتوجس: "هل أنتم متأكدون أنكم قُتلتم بطريقة تستحق التعاطف؟".
 
 
الخلاصة: صحافة تبحث عن روحها
 
في النهاية، تبقى الحقيقة الأكثر إيلاماً أن الصحافة الغربية، التي طالما تغنت بحياديتها ومهنيتها، قد أسقطت اختبار غزة المدوي. لقد أثبتت أن دماء الفلسطينيين أرخص من أن تستحق عناوين رئيسية محايدة، وأن أطفالهم لا يستحقون نفس الدموع التي ذرفتها على أطفال أوكرانيا، وأن معاناتهم يجب أن تخضع دائماً لاختبار "الشرعية" قبل أن تروى.
إن الصحفيين الغربيين الذين يغطون القضية الفلسطينية مطالبون اليوم بمراجعة أخلاقية عميقة. عليهم أن يقرروا: هل هم شهود على الحقيقة، أم حراس بوابة للسردية الإسرائيلية؟ هل هم صوت من لا صوت له، أم بوق يردد أكاذيب السلطة؟
فإذا كانت المبادئ الأخلاقية للمهنة تعني شيئاً، فإن أولى خطوات استعادتها هي الاعتراف بأن الكلمات يمكن أن تكون رصاصاً، وأن الصور يمكن أن تكون قنابل، وأن التغطية غير العادلة ليست مجرد خطأ مهني، بل هي تواطؤ في جريمة تتكشف أمام أعين العالم كله.
 
*
 
راشيل كوري لم تكن تنتظر إذن الإعلام لتقف أمام جرافة الاحتلال. كانت تعرف أن الشهادة في سبيل الحقيقة لا تحتاج إلى تغطية "متوازنة". وربما آن الأوان لأن تتعلم الصحافة الغربية من شجاعة تلك الشابة الأمريكية التي فهمت ما فشل كبار المحللين في فهمه: أن الموت الفلسطيني ليس خبراً عادياً، بل هو الجريمة الأكبر في عصرنا، والتغطية الموضوعية تبدأ عندما نسمي الأشياء بأسمائها: إبادة جماعية ترتكب على مرأى ومسمع من العالم .

Tags

Share your opinion

عندما تتحول الكلمات إلى رصاص: الإعلام الغربي وشريكه في الحرب على غزة

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.