Sun 01 Mar 2026 9:35 am - Jerusalem Time

الذكــاء الاصطنـــاعي والتفكيـــر الناقــد!

لا شك أن العالم يشهد تطورا هائلا في مجال التكنولوجيا والكمبيوتر والإنترنت والذكاء الاصطناعي.  وهذا التطور لم يقتصر على مجال واحد من مجالات العلم والمعرفة وإنما شمل مجالات متعددة منها الطب، والهندسة الوراثية، والزراعة، والعلوم العسكرية، والتصنيع، والاستثمار، والفضاء، والبحث العلمي، والتربية والتعليم، والتواصل الاجتماعي والاتصالات، وغيرها من مجالات الحياة. وما كل ذلك إلا لفائدة هذه التكنولوجيا في تطور الإنسان وارتقاء حضارته.  ولعل الذكاء الاصطناعي يعدّ من أكثر الوسائل التقنية التي غزت العالم وشغلت الناس في الآونة الأخيرة؛ لما له من أثر واضح في تحسين الذاكرة البشرية، وتسهيل العمل، وتحسين جودته، وتسريع إنجازه بأقل وقت وجهد وتكلفة مادية، وما كل ذلك إلا لأن للذكاء الاصطناعي لديه القدرة الهائلة على تخزين المعلومات، وتجميعها، وتنظيمها، وتحليلها، وربطها، واسترجاعها، والقيام بالاستنتاجات اللازمة المتعلقة بها، وترجمتها، والوصول إلى قواعد جديدة يمكن استخدامها في مواقف متعددة.  ناهيك عن قدرته في رسم الخطط، واقتراح الاستراتيجيات التنفيذية، والرسومات البيانية، والتصاميم الهندسية، والبرامج التدريبية، ورسم الجداول والصور، وتوفير تجارب علمية متخصصة.  إلى جانب تحليل الصوت والصورة والنظرة والبصمة، وصولا إلى تطوير منظومة تعليمية كبرى حول العالم تحترم خصوصية الفرد، ورغباته، وقدراته، ومشاكله، واستقلاليته في الحصول على المعلومة مع ومراعاة طروفه والمتغيرات والعوامل المتعلقة به دون تدخل بشري.
هذه التقنية المذهلة ابتكرت لتقوم بأعمال بشرية وتحل محل الإنسان في كثير من المواقع والوظائف المهنية نظرا لضخامة ذاكرتها وسرعتها في استخراج المعلومة بما لا يقاس بسعة ذاكرة الإنسان وسرعتها.  كما تفوقت على الإنسان بعدد العمليات العقلية التي توظفها في نفس الوقت لحل المشكل والإجابة عن السؤال دون تعب أو ملل أو تذمر كما يحصل عند الإنسان.
إلا أن هذه التقنية ومهما تميزت بحجم ذاكرتها، وعدد العمليات العقلية التي توظفها، والنوعية التي تقدمها، والفوائد الجمة التي تقدمها في خدمة الإنسان وتعلمه وعمله ومهنته، إلا أنه ما زال هناك أضرار ومخاوف منها، وتحديات تواجه الإنسان في استخدامها، والتي يجب أن يعالجها قبل فوات الأوان، حتى لا تطغى هذه التقنية عليه، وتحل محله، وتتغلب على عقله، وتحد من تفكيره، وتقلل من مستوى ذكائه، وتجعل إنسانا غبيا تابعا مستسلما لما تمليه عليه من معلومات واستنتاجات وقرارات. والأكثر حتى لا تحد من مستوى أخلاقه ومبادئه وإنسانيته ودينه وإيمانه بما تقدمه له من معلومات لا تستند على معايير ومبادئ إنسانية وضابط أخلاقية.  من هنا، يتحتم على الإنسان الذي يستخدمها، أن يتحلى بالتفكير الناقد والقدرة على التقييم والابداع، وهذا لا يتأتى إلا إذا أدرك الانسان ما يلي:
1-    أن الذكاء الاصطناعي يظل آلة مساعدة، ووسيلة تعليمة تراعي الحاجات الخاصة والفروق الفردية للإنسان، وتستخدم لتحسين تعلم الإنسان وعمله ومهنته، وليست هي محتوى تعليمي بذاته يراد تعلمه واستيعابه وتخزينه في العقل البشري والضمير الإنساني، لكي يتحول لاحقا إلى معايير وأخلاقه ومبادئ وهوية نريد أن نربي الإنسان عليها.
2-    أن الذكاء الاصطناعي يظل آلة لا تشعر ولا تميز بين الصواب والخطأ، والحلال والحرام، والجيد والسيء وإنما هي تقنية ذكية تقوم بالإجابة عن الأسئلة وفق المعلومات والبيانات التي يزودها الشخص بها، والأسئلة التي يطرحها عليها. وبالتالي فهي تقنية تقدم المعلومات والاستنتاجات والحلول بشكل موضوعي خالي من أي عاطفة أو رحمة أو شفقة وخاصة لدى استخدامها في الحروب.  وأكبر دليل على ذلك أن الإنسان إذا طرح عليها السؤال نفسه بطريقة مختلفة، أو زودها بالمعلومات نفسها بترتيب مختلف، فسوف تعطيه نتائج مختلفة وأجوبة مغايرة، وهذا يستوجب من الإنسان أن يعمل عقله وينظر بالمعلومات والحلول التي يحصل عليها، ويسأل نفسه، هل هذه هي المعلومات التي أريدها أم لا؟ وهل كانت هذه المعلومات بنفس الجودة التي أتوقعها أم لا؟ وهل هي مناسبة لظروفي أم غير مناسبة؟ وهل تجيب عن حقيقة أسئلتي أم بعيدة عما أعنيه؟  كل هذا يتطلب من الإنسان المستخدم لتقنية الذكاء الاصطناعي أن يفكر ويقيم بشكل ناقد لكل ما يحصل عليه من معلومات وخطط ورسومات وصور وبيانات...الخ تقدمه له،
3-    يظل الذكاء الاصطناعي عبدا مأمورا يمتثل لما يطلبه الإنسان منه، وما كل ذلك إلا لأن الإنسان هو الذي اخترعه، وهو الذي زوده بعلمه ومعلوماته وخبراته وتجاربه وليس العكس، وهذا يتطلب من الإنسان أن يبقي ثقته بنفسه، وبعقله ومعلوماته وتقييمه وإحساساته ومشاعره، بحيث أن أي معلومة يأخذها من الذكاء الاصطناعي يجب أن يخضعها لحسّه الداخلي، ومنطقه، وفكره ومعرفته وذوقه وإحساسه ليأخذ ما يناسبه، لا أن يأخذ المعلومات على علاتها كما هي وكأنها حقيقة أو مسلمة لا يمكن تغييرها.
4-    من المهم أن يظل التفاعل مع الذكاء الاصطناعي متبادلا، أي قابل للتغيير والتعديل في كل مرة يحصل بها الإنسان على معلومة أو إجابة منه.  وبهذه الطريقة يظل تفكير الإنسان واع يقظ يتقبل ويرفض، ويغير ويبدل، لا أن يتحكم به الذكاء الاصطناعي ويمتثل له.
5-    لا ضير أن يستفيد الإنسان بما يزوده به الذكاء الاصطناعي من معلومات، وما يجيب عنه من تساؤلات، ولكن ألا يأخذها كحقيقة صالحة لكل زمان ومكان، لأن الظروف تتغير والإنسان يتغير أيضا، حتى وأن كانت المعلومة صحيحة ومقنعة، فقد لا تكون صالحة بعد فترة، لإيمان الفرد أن المشاكل النفسية والاجتماعية والسياسية مؤقتة، وربما تحل لاحقا بطريقة إنسانية وتنازلات لكي يعيش الجميع مرتاحا.  وبالتالي فإن ما يزودنا به الذكاء الاصطناعي من حلول قد يكون من غير المجدي أن نتقيد، لأن الإنسان له فكره وله رأيه وله إحساسه وعقيدته ومبادئه، إنسان يحس ويرحم ويشفق ويؤمن بأن مع العسر يسرا.  فمثلا إذا قرر الذكاء الاصطناعي لزوجين بالطلاق، قد لا يتقبل الزوجين هذا القرار على الرغم من صوابه بناء على المعلومات التي أدليا بها إلى الذكاء الاصطناعي، لإيمانهما أن الظروف تتغير والأمور ستهدأ بعد حين، وأن الرحمة والعشرة بينهما ستؤلف بين قلوبهما وهذا ما لم يفهمه الذكاء الاصطناعي.
6-    يظل الذكاء الاصطناعي بحاجة إلى عقل الإنسان المفكر المبدع والمقيّم الناقد، الذي يحسّ ويشعر ويميز بين الصواب والخطأ، والحلال والحرام، والانتحال والابتكار، والمسموح وغير المسموح.
7-    بالخلاصة وعلى الرغم من الفوائد الجمة التي يقدمها الذكاء الاصطناعي في مختلف مجالات الحياة، وقدرته على المساعدة وحل مشاكل الإنسان، وما يوفره من وقت وجهد ومال لدى القيام بالأداء، فعلينا أن ندرك أن هذه الفوائد لا تساوي شيئا ما لم نخضعها للعقل الواعي اليقظ، والفكر الناقد المقيم، ولا فائدة منها إن لم نعرف متى نقبل ما يناسبنا ومتى نرفض، ومتى تختار ما يتوافق مع ذوقنا ونترك ما يتعارض مع إحساسنا ومنطقنا، وما يتفق مع أخلاقنا وقوانيننا ومعايير مجتمعنا وما يتعارض.  ومن المهم أيضا ألاّ نأخذ كل كلمة يقولها الذكاء الاصطناعي، أو حل يقدمه، أو سؤال يجيب عنه وكأنه حقيقة مسلمة، بل علينا أن تبحث عن المعلومات والمعرفة بأنفسنا، ومن أكثر من مصدر إلكتروني أو غير إلكتروني بما فيها أمهات الكتب، والمناهج القيمة المقررة ذات المحتوى العلمي والأخلاقي والإنساني، والرجوع لذوي الخبرة واستشارة أهل الحكمة، وذلك حتى تكون هذه التقنية التي اخترعها الإنسان عامل مساعد لا عامل هدم، وعامل يزيد من ذكائه ويرتقي بحضارته لا أن يكون معول هدم لما ما أنجزه خلال تطوره البشري.
8-    كما أن الذكاء الاصطناعي يظل أداة محفرة ومسرعة.


Tags

Share your opinion

الذكــاء الاصطنـــاعي والتفكيـــر الناقــد!

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.