Sat 28 Feb 2026 3:18 pm - Jerusalem Time

الدينار الليبي في مهب الريح.. الدولار يكسر حاجز العشرة دنانير وسط اتهامات بالهدر المالي

سجلت الأسواق المالية في ليبيا سابقة تاريخية لم تعهدها من قبل، حيث تخطى سعر صرف الدولار الأمريكي حاجز عشرة دنانير ليبية خلال الأسبوع الماضي. وتؤكد المؤشرات الأولية أن العملة المحلية مرشحة لمزيد من التراجع في ظل غياب العوامل الاقتصادية والسياسية الكفيلة باستقرارها، مما يضع البلاد أمام منعطف اقتصادي خطير.

ويرى مراقبون أن الأزمة الحالية تفوق في تعقيداتها كافة الهزات التي تعرض لها الدينار في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. فبينما كان قرار تخفيض القيمة مطلع الألفية يهدف لإعادة التوازن، تبدو الضغوط الحالية ناتجة عن سياسات اقتصادية متضاربة أدت إلى نتائج عكسية تماماً لما كان مخططاً له.

لقد وضعت الإملاءات السياسية والمالية الدينار الليبي في مسار انحدار مستمر بات من الصعب احتواؤه بالوسائل التقليدية. ورغم تعهدات المصرف المركزي بالسيطرة على الوضع النقدي عبر حزمة إجراءات في عام 2025، إلا أن النتيجة كانت تدهوراً متسارعاً وارتفاعاً غير مسبوق في قيمة العملات الأجنبية.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن النزيف الكبير في الموارد المالية، سواء بالعملة المحلية أو الصعبة، في زيادة مستمرة دون رادع. وقد ساهمت التفاهمات السياسية التي أعقبت حرب العاصمة في عام 2020 في مضاعفة الهدر المالي على حساب الجهود الرامية لاستقرار العملة الوطنية.

تتزامن هذه الأزمات الداخلية مع تحديات عالمية في أسواق الطاقة، حيث أدى انخفاض أسعار النفط إلى تقليص الموارد المتاحة للدولة. هذا التداخل بين العوامل الخارجية والداخلية جعل الاقتصاد الليبي يواجه تحديات جمة، مما دفع بالدينار نحو حالة من السقوط الحر أمام العملات الصعبة.

ووصل الإنفاق العام الرسمي الذي تشرف عليه حكومة الوحدة الوطنية إلى مستويات وصفت بالمقلقة من قبل الخبراء الاقتصاديين. وما يزيد من قتامة المشهد هو تنامي الإنفاق الموازي في المنطقة الشرقية، والذي يتوزع بين الحكومة وصناديق الإعمار والميزانيات الخاصة بالجيش بعيداً عن الرقابة المركزية.

وكشفت تسريبات حديثة لتقرير خبراء الأمم المتحدة عن صورة مخيفة تتعلق باقتطاع أجزاء من إنتاج النفط وبيعها عبر شركات مستحدثة أثارت جدلاً واسعاً. وتستمر حالة التلاسن والاتهامات المتبادلة بين المؤسسة الوطنية للنفط والمصرف المركزي حول حقيقة الإيرادات الموردة للخزانة العامة.

وتشير التقارير إلى وجود فجوات مالية تقدر بمليارات الدنانير بين ما يتم الإعلان عنه من مبيعات نفطية وما يدخل فعلياً في حسابات المصرف المركزي. هذا الخلل في منظومة إدارة الموارد العامة يمثل التحدي الأكبر أمام أي محاولة لإصلاح المسار الاقتصادي أو وقف انهيار العملة.

إن الاختراقات التي تعرضت لها المؤسسات السيادية من قبل قوى متنفذة باتت تعيق أي استثمارات تهدف لزيادة الإنتاج النفطي. ورغم توجيه أكثر من 60 مليار دينار لدعم خطة رفع الإنتاج إلى مليوني برميل يومياً، إلا أن النتائج ظلت بعيدة كل البعد عن الأهداف المرسومة.

وفي سياق متصل، تظهر البيانات الرسمية إنفاق نحو 80 مليار دينار على مشروعات التنمية والإعمار خلال عام 2025 وحده. ومع ذلك، لا يلمس المواطن الليبي أثراً حقيقياً لهذه المبالغ الضخمة على مستوى الخدمات الأساسية أو تحسين القدرة الشرائية المنهارة.

ويعاني المواطن الليبي بشدة من قسوة الارتفاع الجنوني في أسعار السلع الأساسية، بما في ذلك الغذاء والدواء، نتيجة تدهور قيمة العملة. وقد تحول الإنفاق العشوائي إلى عبء إضافي يثقل كاهل الطبقات المتوسطة والفقيرة التي باتت تكافح لتأمين احتياجاتها اليومية.

وفي ظل هذا العجز الرسمي، تحول الدولار إلى ملاذ آمن للمدخرين والمستثمرين على حد سواء، مما أنعش سوق المضاربة بالعملات. وباتت السلطات التشريعية والتنفيذية تبدو عاجزة عن تقديم حلول ناجعة، بل يرى البعض أنها متورطة في تعميق حالة التأزيم الاقتصادي.

وتتجه الأنظار حالياً نحو المجتمع الدولي والقوى النافذة أملاً في إيجاد مخرج للأزمة السياسية والاقتصادية المتفاقمة. إلا أن التجارب السابقة تثبت أن التدخلات الخارجية غالباً ما تدعم توازنات هشة أثبتت فشلها في حماية المصالح الوطنية العليا للدولة الليبية.

ويبقى الرهان الحقيقي على ضغط الشارع والتحركات الداخلية لتصحيح المسار ومحاسبة الجهات المتسببة في هذا النزيف المالي. فما لم تتوفر إرادة وطنية حقيقية لوقف الهدر وإصلاح المنظومة النقدية، فإن الدينار الليبي سيستمر في رحلة الهبوط أمام تغول العملات الأجنبية.

Tags

Share your opinion

الدينار الليبي في مهب الريح.. الدولار يكسر حاجز العشرة دنانير وسط اتهامات بالهدر المالي

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.