Fri 27 Feb 2026 1:03 pm - Jerusalem Time

الضوابط العلمية للانفتاح اللغوي: رؤية الدكتور أحمد بن نعمان لحماية السيادة والهوية

طرح الباحث والكاتب الجزائري الدكتور أحمد بن نعمان رؤية فكرية معمقة تتناول الجدل القائم حول الانفتاح على اللغات الأجنبية في المجتمعات العربية. وأكد بن نعمان أن هناك خلطاً كبيراً يمارسه البعض بين ضرورة اكتساب اللغات كأدوات معرفية وبين فرضها كبديل للغة الوطنية في المؤسسات التعليمية والسيادية.

وشدد الباحث على أن تعلم اللغات الأجنبية يمثل ضرورة علمية ووطنية لا يرفضها عاقل، مستشهداً بنماذج من أفذاذ الأمة الذين أتقنوا لغات عدة مثل الدكتور طه حسين ومولود قاسم نايت بلقاسم. ومع ذلك، اعتبر أن التعليم باللغات الأجنبية على حساب اللغة الأم يمثل تهديداً مباشراً للوحدة الترابية والشعبية للدولة.

ويرى بن نعمان أن اللغة الوطنية هي صمام الأمان للحفاظ على اللحمة الوطنية، تماماً كما هي العملة الوطنية في المجال الاقتصادي. فكما لا تقبل دولة ذات سيادة تداول العملات الأجنبية في أسواقها الداخلية دون تحويلها، لا ينبغي قبول اللغات الأجنبية في قطاعات الإدارة والسيادة.

وانتقد المقال بشدة استمرار تجميد قانون اللغة الوطنية في الجزائر لأكثر من ثلاثة عقود دون مبررات واضحة. وأشار إلى أن هذا التعطيل يفتح الباب أمام التبعية الثقافية التي تضعف مناعة المجتمع أمام التأثيرات الخارجية التي تستهدف الهوية الأصيلة.

وفيما يخص البحث العلمي، أوضح الدكتور بن نعمان أن التقدم التكنولوجي لا يتطلب بالضرورة التخلي عن اللغة الوطنية. واقترح استراتيجية تعتمد على توجيه فئة موهوبة من النجباء لا تتجاوز 3% من المجتمع للتخصص في اللغات الحية ليكونوا جسوراً للترجمة والنقل المعرفي.

وأكد أن الدول المتقدمة مثل اليابان والصين وألمانيا وفرنسا تدرس العلوم بلغاتها الوطنية، مما يثبت أن الإبداع العلمي مرتبط باللغة الأم. واعتبر أن محاولة فرض لغة أجنبية واحدة كوعاء للتعليم هي خيانة للمبادئ الوطنية وتكريس لنموذج التبعية الثقافية.

ودعا الباحث إلى ضرورة استبدال الهيمنة اللغوية الفرنسية بالانفتاح على اللغة الإنجليزية إذا كان الهدف هو التواصل العالمي الحقيقي. وأوضح أن التمسك بالفرنسية في الجزائر يمثل نوعاً من الإدمان الثقافي الذي يعيق التطور والاندماج في العصر الرقمي الحديث.

واقترح المقال ستة ضوابط أساسية لحماية السيادة اللغوية، تبدأ بمنح اللغة الوطنية الصدارة المطلقة في الإدارة والحياة العامة. كما طالب بغرس حب اللغة في المناهج التربوية كرمز مقدس لا يقل أهمية عن العلم والنشيد الوطني في وجدان الناشئة.

وطالب بن نعمان برفع المعامل التنقيطي للغة الوطنية في الامتحانات الرسمية لتكون المادة الأساسية التي تحدد نجاح الطالب أو رسوبه. ويرى أن هذا الإجراء سيحفز الأجيال الجديدة على التمكن من لغتهم الأم وإعطائها الأهمية التي تليق بمكانتها التاريخية والحضارية.

كما تضمنت المقترحات ضرورة تفضيل مجيدي اللغة الوطنية في فرص التوظيف العمومي، وحصر استخدام اللغات الأجنبية في المخابر والبحث العلمي فقط. وشدد على أهمية إبعاد اللغات الدخيلة عن الإعلام والثقافة العامة لضمان عدم تشتت الهوية المجتمعية.

وأشار الباحث إلى أن الدراسات العلمية والنفسية تؤكد أن استيعاب المعارف المعقدة يكون أسرع وأعمق عندما يتم باللغة الأصلية للمتعلم. وبالتالي، فإن العلماء وحدهم هم من يحتاجون للتبحر في اللغات الأجنبية، بينما يحتاج عامة الشعب للتعلم بلغتهم الوطنية لضمان انتشار المعرفة.

واختتم بن نعمان مقالته بالتأكيد على أن الوحدة الوطنية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق في ظل تشتت لغوي أو ديني. واعتبر أن السيادة تبدأ من اللسان، وأن استعادة الدور الحضاري للأمة تتطلب العودة إلى اللغة العربية في الجامعة والشارع والمعمل على حد سواء.

إن الرؤية التي قدمها الدكتور بن نعمان تضع النقاط على الحروف في قضية الهوية، محذرة من الانزلاق نحو التبعية تحت مسميات الانفتاح. فالتطور الحقيقي يكمن في الأخذ من الآخرين مع الحفاظ على الذات، وليس في الذوبان في لغة المستعمر القديم.

ويبقى التحدي الأكبر أمام هذه الرؤية هو الإرادة السياسية لتفعيل القوانين المجمدة وإعادة الاعتبار للغة الوطنية في كافة مفاصل الدولة. فبدون حماية تشريعية وتنفيذية صارمة، ستظل اللغة الوطنية تعاني من التهميش أمام ضغوط العولمة واللوبيات الثقافية الفرنكوفونية.

Tags

Share your opinion

الضوابط العلمية للانفتاح اللغوي: رؤية الدكتور أحمد بن نعمان لحماية السيادة والهوية

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.