Fri 27 Feb 2026 12:49 pm - Jerusalem Time

السلفية في تونس.. كتاب جديد يفكك تشعبات الفكر وتحولات الخطاب وأبعاد الممارسة

صدر حديثاً عن دار المقدمة للنشر والتوزيع كتاب جماعي بعنوان 'السلفية في تونس: الأسس والخطاب'، من تنسيق ومراجعة الدكتور محمد بالطيب. ويأتي هذا العمل الأكاديمي، الواقع في 434 صفحة، نتاجاً لجهود وحدة البحث في الظاهرة الدينية بكلية الآداب والفنون والإنسانيات، محاولاً سبر أغوار الفكر السلفي في سياقه التونسي المعاصر.

يشير منسق الكتاب في مقدمته إلى الدور الخطير الذي لعبته بعض الاتجاهات المتطرفة في تنامي ظاهرة الإرهاب، واصفاً إياها بالداء الذي اتسع نطاقه واستهدف الشباب المحبط. ويرى الباحثون أن فهم الأسس الفكرية لهذه التيارات يعد الخطوة الأولى والأساسية لرسم سياسات وقائية فعالة تحمي المجتمع من مخاطر التشدد.

يعتبر الكتاب امتداداً لدراسات سابقة تناولت السلفية في المغرب العربي، لكنه يركز هنا على المسكوت عنه في الخطاب التونسي، خاصة لدى التيارات العنيفة. ويهدف البحث إلى مساعدة صناع القرار عبر تقديم قراءة علمية لأصول الفكر السلفي ومحددات خطابه ومرجعياته التاريخية والعقدية التي تشكلت عبر عقود.

يطرح المبحث الأول تساؤلاً جوهرياً حول ما إذا كانت السلفية تجديداً للخطاب الإسلامي أم مجرد إعادة إنتاج له في قوالب قديمة. ويخلص الباحثون إلى وجود تيارين؛ أحدهما كلاسيكي يرفض الحداثة، وآخر يحاول المواءمة بين 'دولة الوحي' والمدنية في ظل صراع محتدم بين الأصالة والمعاصرة.

أولى الكتاب اهتماماً خاصاً بالتيارات العنيفة، محللاً خطابها التكفيري الذي يستند إلى مقولات تاريخية لابن تيمية وغيره من الأعلام. كما بحثت الدراسات في مفاهيم 'الطاغوت' و'شرعية الجهاد' وكيفية توظيف النص القرآني لتبرير العمليات المسلحة وترويع الآمنين تحت غطاء ديني.

يتفق المشاركون في الكتاب على صعوبة ضبط مفهوم موحد للسلفية نظراً لتعدد مشاربها واختلاف منطلقات مفكريها. ويفضل الباحثون دراستها كظاهرة اجتماعية تطورت في سياقات محددة، متتبعين مسارها منذ مدرسة القيروان المالكية وصولاً إلى التأثيرات الوهابية الحديثة التي اختزلت الإسلام في منهج محدد.

يرصد العمل تحول السلفية في بداية القرن العشرين إلى حركة إصلاحية قادها مشايخ من جامع الزيتونة، مثل الشيخ عبد العزيز الثعالبي. وقد تأثرت هذه المرحلة بمقولات جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، حيث كانت المعركة الأساسية حينها ضد 'الطرقية' والبدع والممارسات الدينية التقليدية.

مع بداية الألفية الجديدة، وتحديداً بعد الثورة، شهدت تونس ظهور أحزاب سلفية قانونية مثل جبهة الإصلاح وحزب الأصالة. إلا أن هذه المرحلة شهدت أيضاً بروز تنظيم 'أنصار الشريعة' الذي بدأ كحركة دعوية سلمية قبل أن ينزلق سريعاً نحو العنف والمواجهة المسلحة مع الدولة.

يصنف الكتاب السلفية العلمية كتيار يركز على تصفية العقيدة وتربية الأجيال، مع الالتزام الصارم بطاعة ولي الأمر وتحريم الخروج عليه. ويمثل هذا التيار شخصيات مثل البشير بن حسين، حيث يفضلون الانكفاء على الدروس المسجدية والابتعاد عن الصدام المباشر مع مؤسسات السلطة.

في المقابل، تبرز السلفية المدخلية أو 'الولائية' التي تؤكد على الولاء المطلق للأنظمة الحاكمة والامتناع عن أي شكل من أشكال الاحتجاج. وتستمد هذه الجماعات مرجعيتها من رموز دينية في مصر والسعودية، وتدعو إلى الصبر على الحاكم والتماس الأعذار له مهما بلغت درجة الخلاف.

أما السلفية الجهادية، فقد اختارت القطيعة التامة مع الدولة الوطنية، معتبرة أن المواجهة المسلحة هي السبيل الوحيد لإقامة 'الخلافة'. وقد تُرجم هذا الفكر ميدانياً في أحداث دموية بدأت بتفجير كنيس جربة عام 2002 وصولاً إلى الاغتيالات السياسية ومواجهات جبال الشعانبي بعد عام 2011.

كشف الكتاب عن استراتيجيات 'أنصار الشريعة' في التخفي، حيث رفعوا شعارات دعوية وخيرية لتغطية عمليات تجنيد الشباب. واستخدم التنظيم الخيمات الدعوية كغطاء لتوجيه العناصر نحو بؤر التوتر في الخارج، معتمدين على خطاب إعلامي فعال يشمل الأناشيد والفيديوهات المؤثرة.

تشترك جميع التيارات السلفية، رغم انقساماتها، في أرضية عقدية صلبة تقوم على مركزية النقل ورفض التأويل العقلي. ويشكل مبدأ 'الولاء والبراء' حجر الزاوية في فكرها، مما ينتج بيئة تمنح الماضي سلطة مطلقة على الحاضر وتفرض قيوداً صارمة على التعامل مع 'الآخر' المختلف.

يخلص الكتاب إلى أن الخارطة السلفية في تونس متعددة الجذور ومتصلة وثيقاً بالحركات الدولية عبر آليات الاستنساخ والاقتداء. ويؤكد الباحثون أن دراسة الجوانب المسكوت عنها في هذا الخطاب تظل ضرورة ملحة لفهم آليات التطرف وحماية المجتمع من الانقسامات الحادة التي تهدد كيان الدولة.

Tags

Share your opinion

السلفية في تونس.. كتاب جديد يفكك تشعبات الفكر وتحولات الخطاب وأبعاد الممارسة

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.