تتجاوز أطروحة محمد إلهامي في كتابه الأخير كونها مجرد استعادة أيديولوجية لأدبيات الستينيات، لتظهر كاستجابة وظيفية لحالة 'اللايقين' التي تضرب عمق الحركات الإسلامية. وتأتي هذه القراءة في ظل تصدع السرديات الكبرى وتآكل مفهوم الدولة الوطنية، مما جرد العضو التنظيمي من مظلته الحمائية التقليدية.
يسعى الخطاب المطروح إلى ملء الفراغ الوجودي عبر صياغة 'يقين بديل' يستثمر أزمة الليبرالية الغربية، مقدماً الإسلام كمرتكز نهائي يلملم شتات الوعي المأزوم. ويعمل هذا الطرح كـ 'نظام تشغيل' حركي يهدف لإعادة صهر الأفراد المشتتين في مركزية صلبة تحميهم من التحلل النفسي والسياسي.
يبرز الكتاب كجسر يزاوج ببراعة بين الحنين إلى 'الصدر الأول' وبين توظيف أدوات العصر الرقمي وقيم النجاعة المعاصرة. وبذلك يحقق حالة من التماسك الوجودي لمن فقدوا الأرض والتنظيم معاً، خاصة في بيئات الشتات والمهجر التي تعاني من انفصال عن سياق الفعل الواقعي.
تتبلور في هذا السياق 'القطبية الجديدة' التي لا تكتفي بالاستدعاء الحرفي لمفاهيم سيد قطب، بل تعيد إنتاجها كأداة لمواجهة مأزق التنظيمات المعاصرة. ويرى التحليل أن أزمة ما بعد الربيع العربي لم تكن أزمة وسائل، بل تآكلاً في الإطار التفسيري الذي يمنح الشرعية للسياسات الحركية.
عمد إلهامي إلى تحويل مفاهيم 'الحاكمية والجاهلية' من شعارات سياسية صلبة إلى أدوات تحليلية تتيح للشباب فهم موقعهم في عالم مضطرب. وبدلاً من الرهان على إصلاح الهياكل التقليدية المتهالكة، يميل الخطاب لجعل مركز الثقل في 'النخبة النوعية' أو 'الرجال الأكفاء'.
يمثل هذا التحول استجابة مرنة لانهيار الشموليات الحركية، مستبطناً في جوهره روح الكفاءة الفردية التي تتماشى مع العصر النيوليبرالي. ومع ذلك، يضع هذا النزوع النخبوي الخطاب في مواجهة مأزق الانفصال عن تعقيدات الاجتماع الإنساني وآلام الناس اليومية في واقعهم المعاش.
يوفر الإطار الفكري المقترح منطقاً داخلياً يبرر الغياب عن الفاعلية الميدانية المباشرة عبر إحالة العضو إلى صيرورة 'إعداد' طويلة الأمد. وتتحول هذه العملية إلى انتقاء مقصود لوقائع التاريخ وتجميد للزمن لصالح العقيدة، حيث يصبح الوقوف على الثوابت هو الفعل التحرري الأسمى.
يتحول خطاب إلهامي من مجرد رد فعل على السلطوية إلى فعل تأسيسي يحمي الفرد من التشتت، حاصراً إياه داخل جدار من اليقين الانعزالي.
يعمل خطاب 'سبيل الرشاد' كمادة لاصقة تمنع انفراط عقد المجموعات في المهجر أو انكفائها نحو اليأس العدمي. ويتم استدعاء 'العزلة الشعورية' كآلية وقائية تحمي المهاجر من فقدان المعنى في ظل تعثر اندماجه في الموطن الجديد وعجزه عن التأثير في وطنه الأم.
تتبدى إحدى وظائف هذا الخطاب في تجميد النقد الذاتي وإجهاض محاولات المراجعة الفكرية داخل التنظيمات. إذ يتم توظيف إطار تفسيري يرتكز على 'المؤامرة الكونية' لإقناع الأتباع بأن الأزمة تكمن في استهدافهم كـ 'نخبة نوعية' لم تساوم على مبادئها.
يبرز استبطان مدهش لمنطق النيوليبرالية في فكرة 'النخبة النوعية' التي ترفض كون العمل الإسلامي محضناً للضعفاء. ويقدم هذا الخطاب تعويضاً نفسياً هائلاً للشاب المهمش، محولاً إياه من مجرد لاجئ مأزوم إلى 'ترس كفء' في ماكينة تاريخية مقدسة.
يستمد الخطاب فاعليته من قدرته على اجتراح حلول لمعضلة 'السيولة' التي تلاشت فيها الروابط الهوياتية المستقرة كالوطن والوظيفة. وفي مقابل هذا التفتت، يقدم إلهامي 'صلابة بديلة' تقوم على مفارقة تزاوج بين النخبوية الحركية والاحتياجات النفسية المحبطة.
تتقاطع هذه 'الشعبوية الإسلامية' بنيوياً مع الموجات الشعبوية العالمية في آليات صناعة العدو وتوظيف المظلومية. ويتحول الدين هنا من رسالة عالمية منفتحة إلى 'متراس هوياتي' صدامي، حيث يغدو العدو المتآمر ضرورة بنيوية يفتقد الخطاب بدونها مبررات حشده.
مثلت أحداث غزة الاختبار الأقصى لهذا التركيب الفكري، حيث استغل الخطاب المأساة ليعيد تدوير الغضب داخل 'الشرنقة التنظيمية'. وتم تحويل التضامن الإنساني إلى وقود للانفصال الشعوري، بجعل غزة برهاناً على فشل المنظومة الغربية وضرورة الاعتزال عن العالم.
في الختام، يظهر 'سبيل الرشاد' كأحد تجليات الحداثة المعكوسة التي تحول الأفكار والبشر إلى مجرد أدوات لتحقيق غايات تنظيمية. إن التحدي الجوهري يكمن في الخروج من ضيق الخوارزمية التنظيمية إلى رحابة الشهود الحضاري الذي يربط تحرير العقيدة بتحرير معاش الناس وآلامهم.





Share your opinion
قراءة في 'سبيل الرشاد': كيف تحول خطاب 'القطبية الجديدة' إلى ملاذ لترميم شتات التنظيمات؟