دخل قانون الجنسية الجديد في الجزائر حيز التنفيذ رسمياً عقب صدوره في العدد الأخير من الجريدة الرسمية، وهو التشريع الذي أثار نقاشاً واسعاً في الأوساط السياسية والقانونية. يحدد القانون الجديد بدقة الحالات التي يمكن فيها للسلطات اللجوء إلى إجراء التجريد من الجنسية، سواء كانت أصلية أو مكتسبة، معتبراً إياها أداة قانونية لحماية المصالح العليا للبلاد.
ويأتي هذا النص كتعديل جوهري للقانون الصادر في ديسمبر عام 1970، حيث استحدث أحكاماً تمنح الدولة صلاحيات أوسع في التعامل مع القضايا التي تمس الأمن القومي. وأكد المشرع على الطابع الاستثنائي لهذه الإجراءات، مشدداً على أنها تهدف لمواجهة التحديات الأمنية والسياسية المعاصرة التي قد تهدد استقرار المؤسسات الوطنية.
وبموجب المواد الجديدة، يمكن تجريد كل من اكتسب الجنسية الجزائرية إذا صدر بحقه حكم قضائي نهائي بسبب ارتكاب جناية أو جنحة تمس بالوحدة الوطنية أو المصالح الحيوية للدولة. ويشترط القانون أن تكون هذه الأفعال قد وقعت خلال العقد الأول من تاريخ الحصول على الجنسية، على أن يتم الإعلان عن التجريد خلال خمس سنوات من ارتكاب الفعل.
كما تضمن القانون المادة 22 مكرر، التي تمنح الحق في تجريد الجزائري من جنسيته، سواء كانت أصلية أو مكتسبة، إذا ثبت قيامه بأفعال معادية من خارج التراب الوطني. وتشمل هذه الأفعال إلحاق ضرر جسيم برموز الثورة التحريرية أو استقرار المؤسسات، أو القيام بنشاطات علنية معادية للدولة الجزائرية ومصالحها الاستراتيجية.
وتطرق القانون إلى حالات إبداء الولاء لدول أجنبية أو تقديم خدمات عسكرية أو أمنية لجهات خارجية بقصد الإضرار بالجزائر، معتبراً ذلك مبرراً كافياً لسحب الجنسية. كما شملت القائمة التعاون مع كيانات معادية أو تولي قيادة جماعات إرهابية وتخريبية، أو الانخراط في تمويلها والدعاية لها بأي وسيلة كانت.
وفيما يخص الإجراءات المتبعة داخل البلاد، نص القانون على إمكانية تجريد الشخص من جنسيته الأصلية إذا ارتكب أفعالاً إجرامية وكان في حالة فرار خارج الحدود. كما يطبق الإجراء على من يحمل جنسية أخرى واستخدمها للإضرار بالسيادة الوطنية أو ضرب مكانة الجنسية الجزائرية الأصلية في المحافل الدولية.
وفرض التشريع الجديد آلية صارمة للتبليغ، حيث تلتزم السلطات بتوجيه إنذار رسمي للمعني بكافة الطرق القانونية والإلكترونية المتاحة، مع منحه مهلة زمنية للرد والامتثال. وفي حال تعذر الوصول إلى الشخص، يتم نشر الإنذار في جريدتين وطنيتين واسعتي الانتشار لضمان الشفافية القانونية قبل اتخاذ القرار النهائي.
التجريد من الجنسية الجزائرية الأصلية إجراء استثنائي لا يتم اللجوء إليه إلا للأسباب المحددة على سبيل الحصر ووفقاً للضمانات القانونية.
وأوضحت المادة 22 مكرر (1) أن سحب الجنسية الأصلية لا يتم إلا لمن يحوز جنسية أخرى لتجنب حالات انعدام الجنسية، إلا أن هذا الشرط يسقط في حالات الخيانة العظمى. ففي قضايا التخابر مع دول أجنبية أو حمل السلاح ضد الوطن، يمكن للدولة سحب الجنسية الأصلية حتى لو لم يملك الشخص بديلاً عنها.
ولضمان مراجعة دقيقة للملفات، تقرر إنشاء لجنة خاصة تحت إشراف وزير العدل تتولى دراسة كل حالة على حدة قبل رفع التوصيات. وتخضع هذه اللجنة لتنظيم خاص يحدد تشكيلتها وصلاحياتها، بما يضمن عدم التعسف في استخدام هذا الحق السيادي الذي ينتهي بصدور مرسوم رئاسي رسمي.
من جانبه، دافع وزير العدل لطفي بوجمعة عن القانون، مؤكداً أنه يستهدف حصراً الحالات الخطيرة التي تهدد وحدة المجتمع وأمن الدولة. وأشار الوزير إلى أن إعادة النظر في أحكام الجنسية تتماشى مع ضرورة حماية السيادة الوطنية من الأشخاص الذين يستغلون صفتهم القانونية للنيل من استقرار البلاد.
في المقابل، برزت أصوات معارضة ترى في القانون تراجعاً عن مكتسبات دستورية، حيث اعتبر الدبلوماسي السابق عبد العزيز رحابي أن النص قد يكون استجابة لظروف ظرفية عابرة. وحذر رحابي من أن التوسع في صلاحيات سحب الجنسية قد يؤدي إلى نتائج عكسية تخدم أطرافاً خارجية تسعى للتحريض ضد الجزائر.
واستذكر رحابي التجربة التاريخية للجزائر بعد الاستقلال، مشيراً إلى أن جيل التأسيس لم يلجأ لتجريد المتعاونين مع الاستعمار من جنسيتهم رغم فداحة جرائمهم. ورأى أن الحفاظ على التماسك الوطني والنظام العام كان أولوية قصوى حينها، مفضلاً القيود الإدارية على المساس بالهوية الوطنية الأصلية للمواطنين.
وعلى الصعيد الحقوقي، انتقد قانونيون الصياغة التي وصفوها بـ 'الفضفاضة' لبعض المواد، معتبرين أنها تفتح الباب أمام تأويلات قد تضر بحرية التعبير. وأعرب هؤلاء عن تخوفهم من أن يتحول التجريد من الجنسية إلى أداة عقابية سريعة بدلاً من ملاحقة المتهمين وفقاً لإجراءات القانون الدولي والقضاء الجنائي التقليدي.
ورغم هذا الجدل، يظل القانون ساري المفعول كجزء من المنظومة التشريعية الجديدة التي تتبناها الدولة لتعزيز الرقابة على النشاطات السياسية والأمنية في الخارج. وتترقب الأوساط القانونية كيفية تطبيق هذه المواد على أرض الواقع، ومدى التزام اللجنة الخاصة بالضمانات التي نص عليها القانون لحماية حقوق الأفراد.





Share your opinion
الجزائر تبدأ العمل بقانون سحب الجنسية الأصلية والمكتسبة وسط جدل حقوقي