Mon 23 Feb 2026 3:11 pm - Jerusalem Time

جدل حل البرلمان المصري: بين الطموحات السياسية والتحصينات الدستورية

تسود الشارع المصري حالة من الترقب لصدور قرار أو حكم قضائي يقضي بحل مجلس النواب الحالي، حيث بدأ الكثيرون في إعداد العدة لخوض غمار انتخابات جديدة. ويرى المتفائلون بهذا السيناريو أن الحل بات قريباً، مستندين في ذلك إلى وجود قضايا منظورة أمام المحاكم تطعن في بطلان العملية الانتخابية برمتها.

يعيد هذا المشهد إلى الأذهان ما جرى في تجارب برلمانية سابقة، وتحديداً في أعوام 1984 و1987 و2011، حين انتهت المسارات القضائية بحل البرلمانات القائمة آنذاك. ويعلق الحالمون بالتغيير آمالاً عريضة على القيادة السياسية للتدخل والاستجابة لإرادة الناس، خاصة بعد رصد حالات سابقة أُعيدت فيها الانتخابات في دوائر معينة بناءً على أحكام قضائية.

رغم هذا التفاؤل، يبرز الواقع القانوني تعقيدات تحول دون تحقيق هذا المسعى بسهولة، إذ إن سلطة محكمتي القضاء الإداري والنقض تقتصر على الفصل في صحة العضوية بدوائر النزاع فقط. ولا تملك هذه المحاكم صلاحية إسقاط المجلس بكامله، بل ينحصر دورها في الحكم بإعادة الانتخابات في المناطق التي ثبت فيها وقوع مخالفات قانونية أو إجرائية.

إن الحل الكلي للبرلمان يرتبط حصرياً بمدى دستورية القانون الذي أُجريت على أساسه الانتخابات، وهو أمر يبدو مستبعداً في الوقت الراهن. فقد عملت لجان صياغة الدستور والقوانين المنظمة على سد كافة الثغرات التي تسببت في حل الدورات السابقة، مما جعل النص التشريعي محصناً بشكل كبير ضد الطعون الجوهرية.

بالعودة إلى التاريخ، نجد أن برلمان 1984 حُل بسبب القائمة الحزبية المقيدة التي حرمت المستقلين من الترشح، وهو ما اعتبر إخلالاً بمبدأ تكافؤ الفرص. وعندما حاولت السلطة علاج الأمر في الانتخابات التالية، وقعت في فخ قانوني آخر جعل المرشح الفردي ينافس في دوائر متعددة، مما أدى مجدداً إلى صدور حكم بعدم الدستورية.

أما أزمة انتخابات ما بعد ثورة يناير، فقد كانت ناتجة عما وصفه الكاتب بـ 'الطمع السياسي'، حيث أصرت القوى الحزبية الكبرى حينها على المنافسة في مقاعد المستقلين. هذا الإصرار دفع المجلس العسكري آنذاك لاستشارة المحكمة الدستورية التي أومأت بإمكانية التمرير، لكنها عادت لاحقاً لتقضي ببطلان المجلس بسبب غياب المساواة.

وفيما يخص الدستور الحالي، يرى مراقبون أنه استفاد من كافة الدروس الماضية واستوعب الثغرات القانونية التي أسقطت البرلمانات السابقة. وبناءً على ذلك، فإن الرهان على حكم من المحكمة الدستورية العليا بحل المجلس الحالي يبدو رهاناً غير واقعي من الناحية القانونية الصرفة، نظراً لإحكام الصياغة التشريعية الحالية.

من الناحية السياسية، يبدو أن هندسة البرلمان الحالي جاءت لتلبية متطلبات مرحلة محددة تتسم بالهدوء الإداري والتشريعي بعيداً عن الصخب المعارض. وقد تجلى ذلك في اختيار شخصيات ذات خلفيات قضائية لرئاسة غرفتي التشريع، لضمان إدارة الأمور بسلاسة وتجنب الصدامات التي شهدتها دورات سابقة تحت قبة البرلمان.

هناك تحليلات تشير إلى أن المهمة الأساسية لهذا المجلس قد تتمثل في تمرير تعديلات دستورية جوهرية، من بينها مراجعة القيود الزمنية لفترات رئاسة الجمهورية. ومن غير المنطقي سياسياً أن يتم حل البرلمان الذي أقر مثل هذه التعديلات المصيرية، لأن ذلك قد يلقي بظلال من الشك على شرعية الإجراءات المتخذة في تلك الفترة.

تاريخياً، واجه الرئيس الأسبق مبارك مواقف مشابهة في ولاياته المتعددة، لكن النظام الانتخابي حينها كان يعتمد على الاستفتاء عبر بوابة البرلمان. أما الآن، فإن الحساسية السياسية تجاه شرعية المؤسسات التشريعية أصبحت أكبر، مما يجعل السلطة أكثر حرصاً على استقرار البرلمان الذي يمنح الغطاء القانوني للقرارات السيادية.

يشير التحليل إلى أن المخرج السياسي المرجح قد يكون في دمج الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في وقت واحد مستقبلاً لضمان حشد جماهيري واسع. هذا السيناريو يتطلب تقديم ضمانات للنواب الحاليين، حيث إن الموافقة على تعديلات دستورية كبرى قد تعني مغامرة بمستقبلهم السياسي في حال تقرر إجراء انتخابات مبكرة.

أفادت مصادر بأن التدخلات الرئاسية السابقة في بعض المسارات الانتخابية لم تكن تهدف دائماً لتغيير المشهد الكلي، بل لضبط الإيقاع بين الأجهزة المختلفة. فالمنافسة بين الأحزاب الموالية، مثل 'مستقبل وطن' و'الجبهة الوطنية'، تظل تحت سقف محدد لا يهدد التوازن العام الذي تسعى السلطة للحفاظ عليه في المشهد السياسي.

إن حالة الندم التي أصابت البعض لعدم ترشحهم، ظناً منهم أن النتائج محسومة سلفاً، تعكس سوء فهم لطبيعة 'النزاهة المقيدة' المعمول بها. فالتدخلات التي حدثت كانت تهدف لضبط التوازنات الداخلية وليس لفتح الباب أمام تغيير جذري في بنية المجلس، مما يجعل فكرة إعادة فتح باب الترشيح أمراً غير وارد.

في الختام، يبدو أن انتظار حل البرلمان المصري يظل في إطار 'الأماني السياسية' أكثر منه واقعاً قانونياً ملموساً في ظل المعطيات الحالية. فالدولة استوعبت دروس الماضي جيداً، وأسست لنظام تشريعي محصن يصعب اختراقه عبر البوابة القضائية التقليدية، مما يجعل المجلس الحالي مستمراً في أداء مهامه المرسومة له.

Tags

Share your opinion

جدل حل البرلمان المصري: بين الطموحات السياسية والتحصينات الدستورية

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.