أطلق رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي مشروعاً قومياً جديداً تحت مسمى "كاري أون"، يهدف إلى تدشين 40 هايبر ماركت وتوحيد العلامة التجارية لكافة المجمعات والمنافذ التموينية التابعة للدولة. وجاء هذا التوجيه خلال اجتماع ضم وزيري الزراعة والتموين والمدير التنفيذي لجهاز "مستقبل مصر" للتنمية المستدامة، العقيد بهاء الغنام، مما عكس صبغة سيادية واضحة للمشروع منذ لحظاته الأولى.
وتسعى الحكومة من خلال هذه الخطوة إلى إعادة هيكلة 1060 مجمعاً استهلاكياً كمرحلة أولى، مع خطط طموحة لتطوير 40 ألف منفذ ونقطة بيع في مختلف المحافظات. ويهدف المشروع ظاهرياً إلى كسر احتكار التجار والسيطرة على موجات الغلاء، إلا أن الشارع المصري استقبل القرار بمزيج من الترقب والمخاوف بشأن مصير القطاع الخاص الصغير.
وتتصاعد مخاوف آلاف التجار والبدالين التموينيين من فقدان أدوارهم التاريخية كوسيط بين الدولة وأصحاب البطاقات التموينية، خاصة مع التوجه لحصر صرف السلع وفارق نقاط الخبز في الفروع الجديدة. ويرى مراقبون أن هذا التحول قد يؤدي إلى تدمير شبكة واسعة من المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تمثل العمود الفقري للتجارة في القرى والنجوع المصرية.
ويبرز دور جهاز "مستقبل مصر"، التابع للقوات الجوية، كمحرك أساسي لهذا المشروع، حيث شارك رئيسه في افتتاح الفروع الأولى بالقاهرة ومدينة الإنتاج الإعلامي. ويثير هذا التداخل تساؤلات حول طبيعة دور الجهاز، وما إذا كان سيقتصر على التجهيز الإنشائي أم سيمتد ليشمل الإدارة والإمداد الحصري بالسلع من مزارعه ومصانعه الخاصة.
خبراء اقتصاديون أشاروا إلى أن فكرة توحيد المنافذ تحت علامة تجارية واحدة قد تحقق خفضاً في تكاليف الإمداد نظرياً، لكن العبرة تكمن في كفاءة التشغيل وعدم الإضرار بالمنافسة العادلة. وحذر الخبراء من أن خلق كيان حكومي يتمتع بامتيازات لوجستية وسيادية قد يحول السوق إلى ساحة احتكار رسمي يصعب على القطاع الخاص الصمود فيها.
وتشير التقارير إلى أن الجهاز العسكري يستهدف التوسع بشكل غير مسبوق في قطاع التجزئة عبر تدشين 2000 نشاط تجاري بحلول عام 2027، افتتح منها بالفعل أكثر من 1400 منفذ. هذا التغول يراه البعض تهديداً مباشراً لحرية السوق، حيث تتحول الجهات السيادية إلى لاعب دائم ومنافس قوي يمتلك أدوات لا تتوفر لغيره من المستثمرين.
وفي سياق متصل، تبرز أزمة غياب الإفصاح المالي عن ميزانيات هذه الأجهزة، حيث لا تخضع للرقابة المالية المعتادة من قبل الجهات الرقابية المدنية. ويطرح هذا الغموض تساؤلات مشروعة حول كيفية تسعير السلع، ومن يتحمل الخسائر التشغيلية في حال وقوعها، وهل يتم تحميلها على الموازنة العامة للدولة بطرق غير مباشرة.
المشكلة ليست في فكرة الهايبر ماركت الحكومي، بل في السياق الذي يولد فيه؛ حيث تُضعف الدولة القطاع الخاص أولاً ثم تقدم نفسها بديلاً عنه.
التجارب السابقة في ملفات ألبان الأطفال والسكر والدواجن تزيد من قلق المواطنين، حيث تدخلت جهات سيادية لحل أزمات نقص السلع ثم انتهى الأمر بسيطرتها الكاملة على تلك الملفات. ويلاحظ مراقبون أن الأسعار غالباً ما تشهد ارتفاعات قياسية بعد استقرار الاحتكار، كما حدث في أسعار ألبان الأطفال التي تضاعفت عدة مرات منذ تولي جهات عسكرية استيرادها.
وانتقد مواطنون اختيار اسم إنجليزي "كاري أون" لمشروع يوصف بأنه قومي، معتبرين أن الأولوية يجب أن تكون لخفض الأسعار الحقيقي وليس للمظاهر الإنشائية المكلفة. كما تساءل البعض عن الجدوى الاقتصادية لبناء هايبرات ضخمة في وقت تعاني فيه البلاد من أزمات سيولة، مشيرين إلى أن تطوير الرقابة على الأسواق القائمة كان أجدى وأقل كلفة.
ويرى أكاديميون أن المشهد الحالي يعكس نمطاً متكرراً؛ حيث تُخلق أزمة في سلعة استراتيجية، ثم تتدخل جهة سيادية كمنقذ، لتتحول لاحقاً إلى المتحكم الوحيد في العرض والطلب. هذا النمط أدى في حالات سابقة إلى حرمان القطاع الخاص من رخص الاستيراد، مما أضعف الصناعة الوطنية وزاد من أعباء المستهلكين على المدى الطويل.
وبالنظر إلى أسعار السلع في منافذ "سوبر توفير" التابعة للجهاز، يظهر فارق سعري مصطنع أحياناً، مثل بيع الدواجن بأقل من سعر المزرعة، وهو ما يراه تجار محاولة لإخراجهم من السوق. ويؤكد منتجون أن هذه السياسة قد تؤدي إلى إفلاس المزارع الصغيرة، مما يمنح الجهات السيادية سيطرة مطلقة على تأمين الغذاء في المستقبل دون منافسة.
السفير فوزي العشماوي تساءل عن الكلفة الإدارية والإنشائية لهذه السلسلة الجديدة، وكيف سيتم تعويض هذه النفقات دون تحميلها على سعر السلعة النهائي. وأشار إلى أن الاستعانة بخبرات وزارة التموين في الرقابة والجودة كان يمكن أن يحقق نتائج أسرع وأكثر استدامة من الدخول في مغامرات إنشائية وتجارية كبرى.
وخلصت التحليلات الاقتصادية إلى أن خطر الاحتكار الحكومي قد يكون أخطر من احتكار القطاع الخاص، نظراً لامتلاك الدولة أدوات التشريع والتنفيذ والرقابة في آن واحد. فإذا تحولت الدولة إلى تاجر، فإنها تفقد قدرتها على أن تكون حكماً محايداً يضمن توازن السوق وحماية كافة الأطراف بما في ذلك صغار المستثمرين.
في نهاية المطاف، يبقى مشروع "كاري أون" اختباراً جديداً لمدى قدرة الاقتصاد المصري على استيعاب التوسع العسكري في المجالات المدنية. وبينما تعد الحكومة بأسعار مخفضة، يخشى الكثيرون أن يكون الثمن هو تآكل ما تبقى من القطاع الخاص وتمركز السيولة في يد جهات غير خاضعة للمساءلة الشعبية أو البرلمانية.





Share your opinion
مشروع "كاري أون": توجه رسمي لتوحيد المجمعات الاستهلاكية يثير مخاوف من احتكار عسكري للسوق المصري