تواجه الدولة السودانية تحديات اقتصادية جسيمة في ظل النزاع المسلح المستمر، مما دفع الحكومة للتركيز بشكل مكثف على قطاع التعدين كطوق نجاة مالي. وتكشف تقارير اقتصادية عن مساعٍ حثيثة تبذلها الخرطوم لجذب رؤوس الأموال الأجنبية، مستهدفةً استخراج كنوز الأرض من الذهب والنحاس واليورانيوم التي لم يُستغل منها سوى القليل.
ويعتمد الاقتصاد السوداني تاريخياً على الزراعة والنفط، إلا أن فقدان أغلب العائدات النفطية بعد انفصال جنوب السودان جعل من المعادن الركيزة الأساسية للعملة الصعبة. ويصنف السودان حالياً في المرتبة الثالثة عشرة عالمياً من حيث تنوع الثروات المعدنية، وهو ما يجعله وجهة محتملة للشركات الدولية الباحثة عن بدائل للإمدادات التقليدية.
وتشير البيانات الجيولوجية إلى أن نحو 75% من الموارد المعدنية في البلاد لا تزال كامنة في باطن الأرض ولم تصل إليها آلات التنقيب الحديثة بعد. وتشمل هذه الثروات غير المكتشفة كميات ضخمة من الكروم والزنك والحديد، بالإضافة إلى العناصر الأرضية النادرة التي يتزايد الطلب العالمي عليها في الصناعات التكنولوجية المتقدمة.
ومنذ اندلاع المواجهات العسكرية في نيسان/ أبريل 2023، تحاول السلطات السودانية استغلال التنافس الدولي على الموارد لتأمين استثمارات جديدة. وتراهن الخرطوم على القلق الغربي من الهيمنة الصينية على سوق المعادن الاستراتيجية، لتقديم نفسها كشريك بديل قادر على تزويد الأسواق العالمية باحتياجاتها من العناصر النادرة.
وفي سياق التحركات الرسمية، أكد أحمد هارون التوم، المدير العام للهيئة العامة للأبحاث الجيولوجية أن الدولة تعمل على تبسيط إجراءات منح التراخيص للمستثمرين الأجانب. وأوضح خلال لقاءات مع وفود دولية أن الحكومة توفر بيانات جيولوجية دقيقة لتقليل المخاطر الاستثمارية، ضمن استراتيجية شاملة لتنويع مصادر الدخل القومي.
وقد شهد قطاع الذهب تحديداً نمواً مطرداً، حيث قفز الإنتاج ليصل إلى نحو 70 طناً سنوياً، محققاً عائدات تجاوزت 1.8 مليار دولار. وتمثل هذه الأرقام حوالي 4% من الناتج المحلي الإجمالي، مما يضع الذهب في مقدمة الصادرات السودانية التي تعوض النقص الحاد في الموارد المالية الأخرى.
ورغم هذه الأرقام، لا يزال التعدين الصناعي المنظم في مراحله الأولية، إذ يسيطر التعدين الحرفي والتقليدي على أكثر من 80% من النشاط الكلي. ويعمل في هذا القطاع غير الرسمي نحو مليون ونصف المليون سوداني، مما يجعل السيطرة الحكومية على كامل الإنتاج وتوريده للقنوات الرسمية تحدياً كبيراً.
السودان يحتل المرتبة الثالثة في أفريقيا من حيث تنوع المعادن، لكن نحو ثلاثة أرباع هذه الموارد لا تزال غير مكتشفة حتى الآن.
وتلقي الحرب بظلالها على خريطة توزيع الثروات، حيث تتقاسم القوات المسلحة وقوات الدعم السريع السيطرة على مناطق التعدين الرئيسية. وتسيطر قوات الدعم السريع على مناجم الذهب الحيوية في إقليم دارفور والمناطق الغربية، بينما تتركز سيطرة الجيش في المناطق الغنية بالمعادن في الشمال والشرق.
وتشير مصادر مطلعة إلى أن عمليات التهريب عبر الحدود مع دول الجوار لا تزال تستنزف جزءاً كبيراً من الثروة المعدنية السودانية. وتستخدم أطراف النزاع طرقاً غير رسمية لتصدير الذهب إلى الأسواق الإقليمية والدولية، مما يحرم الخزينة العامة من موارد ضريبية وجمركية كانت كفيلة بدعم الاقتصاد المنهك.
ولمواجهة هذه التحديات، أقرت وزارة المعادن خطة استراتيجية تمتد حتى عام 2026، تهدف إلى تحسين الرقابة على المناجم وزيادة معدلات الإنتاج الصناعي. وتتضمن الخطة تطوير البنية التحتية المرتبطة بالتعدين، بما في ذلك شبكات الطرق والسكك الحديدية لربط مواقع الإنتاج بميناء بورتسودان الاستراتيجي.
وتحتاج البنية التحتية في السودان إلى استثمارات ضخمة تقدر بنحو 4.2 مليار دولار سنوياً على مدار العقد القادم لتحقيق الكفاءة المطلوبة. وتسعى الحكومة من خلال قانون تشجيع الاستثمار الجديد إلى تقديم ضمانات قانونية تحمي المستثمرين من التأميم وتوفر آليات واضحة لتسوية النزاعات التجارية.
وفي إطار التوجه نحو الاستدامة، بدأت الحكومة بدمج حلول الطاقة المتجددة في العمليات التعدينية لتقليل التكاليف التشغيلية والاعتماد على الوقود المستورد. ويدعم البنك الدولي هذا التوجه عبر تمويل مشاريع لتركيب مئات أنظمة الطاقة الشمسية في المواقع النائية التي تفتقر للربط مع الشبكة القومية للكهرباء.
ويرى مراقبون أن نجاح هذه الخطط يعتمد بشكل أساسي على استقرار الأوضاع الأمنية وقدرة الدولة على فرض سيادتها على مناطق الإنتاج. فالمستثمر الأجنبي يبحث دائماً عن بيئة آمنة تضمن استمرارية العمليات اللوجستية وحماية الأصول الرأسمالية من تداعيات الصراع المسلح.
ختاماً، يظل السودان يمتلك إمكانات هائلة تؤهله ليكون لاعباً رئيسياً في سوق المعادن العالمي إذا ما توفرت الإرادة السياسية والاستقرار الأمني. وتعد الإصلاحات التشريعية الحالية خطوة في الطريق الصحيح، لكنها تظل رهينة بمدى قدرة مؤسسات الدولة على تنفيذها على أرض الواقع وسط تعقيدات المشهد الميداني.





Share your opinion
ثروات السودان المعدنية.. هل تنجح الخرطوم في استقطاب الاستثمارات الدولية وسط الحرب؟