في زمن تتسارع فيه الخوارزميات أكثر من أفكار البشر، يخرج سؤال يتردد في المجالس والهواتف معًا: هل يراقبنا الذكاء الاصطناعي؟ يبدو السؤال كأنه خرج من فيلم خيال علمي، حيث عيون إلكترونية تلاحق الناس في الشوارع وتقرأ أفكارهم، لكن الواقع أقل درامية وأكثر تعقيدًا. الذكاء الاصطناعي ليس كائنًا واعيًا يملك نية أو رغبة أو فضولًا، بل هو نظام رياضي يعتمد على تحليل البيانات. هو آلة احتمالات، لا يمتلك عاطفة ولا فضولًا ولا حتى فضيحة شخصية يخاف منها، بل مجرد خوارزمية تحسب ما يمكن أن يحدث بناءً على ما حدث سابقًا.
الخلط يحدث عندما يختلط مفهوم الذكاء الاصطناعي مع فكرة المراقبة. الذكاء الاصطناعي في ذاته لا يراقب أحدًا، لكنه يعمل كعدسة مكبرة لما تتركه أنت خلفك من بيانات. إذا كانت هناك بيانات، فهو يحللها، وإذا لم تكن هناك بيانات، فلا شيء لديه ليفعله. المسألة هنا لا تتعلق بوجود عين خفية، بل بوجود أثر رقمي يتوسع كل يوم. تقارير Statista وDataReportal تشير إلى أن المستخدم العادي يترك يوميًا أكثر من مئة تفاعل رقمي بين نقرات ومشاهدات وبحث، ويقضي ما يقارب ست إلى سبع ساعات يوميًا على الإنترنت، ويتنقل بين ٦-٨ منصات مختلفة. هذا الكم الهائل من التفاعلات لا يختفي، بل يتحول إلى بيانات قابلة للتحليل.
هنا يظهر الذكاء الاصطناعي كأنه طاهٍ ذكي جدًا في مطبخ ضخم. هذا الطاهي لا يعرفك شخصيًا، ولا يهتم بقصتك أو يومك أو مزاجك، لكنه يملك قائمة طويلة من طلباتك السابقة. يعرف أنك طلبت قهوة دون سكر خمس مرات، وأنك بحثت عن حذاء رياضي، وأنك شاهدت فيديوهات عن اللياقة البدنية. في المرة التالية التي تدخل فيها إلى "المطعم الرقمي"، لن يسألك ماذا تريد، بل سيضع أمامك طبقًا يعتقد أنك ستحبه. ليس لأنه يحبك، بل لأنه حسب الاحتمالات، ووجد أن هذا الخيار هو الأكثر منطقية.
عندما تبحث عن منتج معين ثم يظهر لك إعلانه بعد دقائق، لا يحدث ذلك لأن الذكاء الاصطناعي يتجسس عليك من وراء الشاشة، بل لأن المتصفح سجل عملية البحث، وملفات الارتباط خزّنت السلوك، وخوارزمية إعلانية حللت الاهتمام، ثم عرض النظام إعلانًا مناسبًا. العملية كلها رياضية وإحصائية، بلا وعي ولا نية. إنها أشبه بمحل بقالة يعرف أنك تشتري الخبز كل يوم، فيضعه أمامك فور دخولك، ليس لأنه يحبك، بل لأنه يعرف عادتك الشرائية.
المشكلة الحقيقية ليست في الذكاء الاصطناعي نفسه، بل في اقتصاد البيانات الذي يقوم عليه العالم الرقمي. البيانات أصبحت نفط العصر الجديد، وسوق البيانات الشخصية يُقدّر بمئات المليارات من الدولارات خلال السنوات المقبلة. أكثر من ثمانين في المئة من إيرادات شركات التكنولوجيا الكبرى تأتي من الإعلانات المعتمدة على البيانات، وكلما زادت دقة البيانات، زادت الأرباح بنسبة قد تصل إلى خمسين في المئة. هذه الأرقام لا تعني أن هناك شخصًا يجلس خلف شاشة يراقبك، بل تعني أن النظام بأكمله مصمم ليتتبع السلوك، لأنه ببساطة مربح.
هناك ثلاثة مستويات لهذا التتبع: تجاري، حيث تستخدم الشركات البيانات لتحسين الإعلانات والخدمات، وحكومي، حيث تختلف مستويات الرقابة من دولة لأخرى، وخوارزمي غير مقصود، حيث تراقب الأنظمة السلوك تلقائيًا لتحسين الأداء دون أن ينظر إنسان إلى التفاصيل. المفارقة هنا أن الذكاء الاصطناعي لا يراقبك لأنك مهم، بل لأنك مجرد نقطة بيانات ضمن مليارات النقاط. أنت رقم في مصفوفة احتمالات، ومع ذلك، هذا الرقم يساهم في صناعة قرارات اقتصادية ضخمة.
الواقع أن الذكاء الاصطناعي ليس عينًا تراقبك، بل مرآة تعكس ما تفعله. كلما تحركت أكثر في الفضاء الرقمي، أصبحت الصورة أوضح. كل إعجاب، كل بحث، كل مشاهدة، هي رسالة صغيرة تقول للنظام: هذا ما أريده. النظام لا يبتكر رغباتك من العدم، بل يعيد ترتيبها ويعرضها لك بطريقة تبدو أحيانًا وكأنها قراءة للأفكار.
الأسئلة الفلسفية التي تخرج من هذا الواقع أكثر إثارة من السؤال الأصلي. المشكلة ليست في أن الذكاء الاصطناعي يراقبنا، بل في أننا بنينا عالمًا رقميًا يقوم أساسًا على فكرة التتبع كجزء من نموذج العمل. العالم لم يصبح مراقبًا لأن الآلات أصبحت ذكية، بل لأن الاقتصاد الرقمي اكتشف أن معرفة السلوك البشري تساوي أرباحًا ضخمة.
في النهاية، الطاهي الذكي لا يعرفك، لكنه يعرف طلباتك. لا يحبك، لكنه يعرف ما قد يعجبك. ولا يراقبك بدافع الفضول، بل لأن المطبخ كله صُمم ليقرأ قائمة الطلبات قبل أن تنطق بها. هذه ليست مؤامرة بقدر ما هي نتيجة طبيعية لعالم اختار أن يجعل البيانات عملته الأساسية، فصار كل إنسان فيه يحمل مطبخه الخاص في جيبه، ويترك خلفه وصفة رقمية كلما لمس الشاشة.
* باحث ومستشار بالإعلام والتسويق الرقمي





Share your opinion
الطاهي الذكي وطلباتك السابقة: كيف يقرأ الذكاء الاصطناعي ما تفعله دون أن يراك