Fri 20 Feb 2026 10:26 pm - Jerusalem Time

نواقض المشروع المواطني: قراءة في مآلات الصراع بين الإسلاميين واللائكيين

يأتي اختيار عنوان 'نواقض المشروع المواطني' كتركيب إضافي يعكس قراءة دقيقة للمآلات الكارثية التي وصل إليها الحقل السياسي المأزوم بنيوياً. هذا الحقل الذي لا يزال محكوماً بعقلين سياسيين يمارسان الإلغاء المتبادل، مما يجعلهما مجرد أدوات في يد المنظومة القديمة ونواتها الصلبة التي سبقت الثورات العربية واستمرت بعدها.

يتمثل القطب الأول في هذا الصراع في العقل الذي لم يخرج من عباءة الفقيه والسياج المذهبي التراثي، بينما يتمثل القطب الثاني في تيار لم يتجاوز كونه تلميذاً لمدارس الاستشراق. هذا الانقسام الحاد أدى إلى حالة من التنافر المفهومي، حيث تظل المصطلحات أسيرة سياقاتها التقليدية دون قدرة على التجديد أو التفاعل مع الواقع المعاصر.

إن كلمة 'النواقض' تنتمي أصلاً إلى المعجم الديني العقدي والفقهي، ولم يسبق توظيفها في تدبر إشكالية المواطنة داخل الدولة الوطنية الحديثة. هذا الاستخدام يثير استغراب الأطراف المتصارعة، سواء الإسلاميين الذين يحصرونها في العبادات، أو الديمقراطيين الذين يقيسون مدنيتهم بمدى ابتعادهم عن المعجم الإيماني.

يعتبر الحديث عن 'نواقض' المشروع المواطني طرحاً غير مستساغ للسرديات الكبرى المهيمنة على إدارة الشأن العام، نظراً لارتباطها بمصالح ضيقة ومزايدات سياسية. فالمصطلح يبدو في نظر الكثيرين نوعاً من الترصيف العبثي لكلمات لا رابط بينها، مما يعكس الفجوة العميقة بين الفلسفة السياسية الحديثة والموروث الفقهي.

تطرح التساؤلات حول إمكانية وجود روح في الحداثة تبرر توظيف مصطلحات أصولية لحماية المشروع المواطني من التفكك والانهيار. كما يبرز التساؤل حول سبب تأخر الفكر الإسلامي في شرعنة المواطنة كقيمة مقدسة يجب حمايتها، خاصة وأن المفهوم لا يزال يعاني من سمعة سيئة في التجارب السلطوية ما بعد الاستقلال.

إن السرديات الثقافية المهيمنة تصادر على استحالة الجدل بين المرجعيتين الدينية واللائكية، مما يؤدي إلى تأبيد علاقة النفي المتبادل بين الطرفين. هذا الانغلاق يختزل العلاقة في مشاريع مجتمعية متناقضة ترفض منطق الشراكة الحقيقية أو التفكير المشترك في بناء مستقبل الدولة الوطنية.

في الواقع التونسي، يبرز غياب طرح إسلامي ناضج يعتبر غياب 'المواطنة التامة' نقضاً لجوهر الإيمان والإسلام نفسه. فالدين لا يمكن ممارسته بصدق بعيداً عن مناخ الحريات الفردية والجماعية التي تضمن كرامة المسلمين وغيرهم على حد سواء في إطار الدولة.

على الجانب الآخر، يستمر التيار الحداثي في اختزال العلمانية في النموذج اللائكي الفرنسي الذي يعاني من أزمات حتى في موطنه الأصلي. هذا الاختزال حول العلمانية عبر الحقب البورقيبية والدستورية إلى أيديولوجيا تخدم منظومة الاستعمار الداخلي بدلاً من أن تكون أداة للتحرر.

تغيب عن النخب الحداثية فرضية التفكير 'مع' الإسلاميين لتحويل المعجم الديني إلى ركيزة أساسية من ركائز المشروع المواطني وضماناته الشعبية. وبدلاً من ذلك، يتم التعامل مع الدين كعائق أمام التقدم، مما يعزز الانقسام المجتمعي ويضعف الجبهة الداخلية أمام التحديات الكبرى.

إن الأسئلة المتعلقة بالالتقاء بين المرجعيتين تبدو وكأنها منذورة للأجيال القادمة، في ظل سيطرة منطق الصراع الوجودي على المشهد الحالي. فالمعسكران المتقابلان فكرياً وسياسياً في تونس والمنطقة العربية لا يزالان أسيري حسابات ظرفية تمنع بناء أرضية صلبة للتعايش.

أثبتت تجارب 'التوافق' السابقة أنها لم تكن سوى تعبير عن العجز في بناء التقاء استراتيجي مبدئي يتجاوز الصفقات البراغماتية العابرة. فالتوافق الحقيقي يتطلب تحولاً عميقاً في الرؤى الكونية لكلا الطرفين، بحيث تصبح المواطنة شرطاً لإمكان 'الصراط المستقيم' عند الإسلامي.

لن يتحقق الالتقاء الاستراتيجي إلا عندما يصبح الدين في تفسيراته التشاركية ضامناً أساسياً للمواطنة التامة بين جميع المواطنين والمواطنات. عندها فقط يمكن للدولة-الأمة أن تتحول من مجال متخيل إلى مجال واقعي للفعل السياسي الذي يجمع بين التنظير والممارسة الفعالة.

عند الوصول إلى هذه المرحلة من النضج الفكري، لن يجد المواطن أي تنافر بين مرجعيته الدينية القائمة على 'الرحمة للعالمين' ومرجعيته السياسية الحديثة. فالتخلص من لوثة اللائكية الوظيفية ومن الانغلاق المذهبي التراثي هو السبيل الوحيد لتحقيق التصالح مع الذات ومع العصر.

في الختام، يظل المشروع المواطني رهيناً بقدرة النخب على تجاوز السرديات الإقصائية والبحث عن نقاط تلاقٍ جوهرية تحفظ كرامة الإنسان. إن 'نواقض' المواطنة الحقيقية تكمن في الاستبداد والإقصاء، وهما العدوان المشتركان اللذان يجب أن تتوحد الجهود لمواجهتهما بعيداً عن التخندقات الأيديولوجية.

Tags

Share your opinion

نواقض المشروع المواطني: قراءة في مآلات الصراع بين الإسلاميين واللائكيين

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.