صدر حديثاً عن المركز الديمقراطي العربي في برلين كتاب جديد بعنوان 'الجغرافيا السياسية' للدكتور شاهر الشاهر، الأستاذ بجامعة صن يات سين الصينية. يقدم الكتاب دراسة متعمقة للعلاقة الجدلية بين المكان والقوة، مستعرضاً كيف تساهم الجغرافيا في تشكيل ملامح النظام العالمي وتوجيه سياسات الدول الكبرى عبر التاريخ.
يوضح الكتاب أن الجغرافيا السياسية، رغم جذورها التي تمتد لأكثر من ألفي عام، لم تتبلور كفرع أكاديمي مستقل إلا في القرن التاسع عشر. ويُنسب الفضل في وضع أسسها المنظمة للعالم الألماني فريدريك راتزل، الذي قدم رؤية مثيرة للجدل تعتبر الدولة 'كائناً حياً' يحتاج إلى مجال حيوي للنمو والبقاء.
يشير المؤلف إلى أن هناك تأثيراً متبادلاً ومستمراً بين الجغرافيا والسياسة؛ فبينما تفرض التضاريس والمناخ قيوداً على حركة الدول، فإن القرارات السياسية الكبرى قادرة على تغيير الجغرافيا. ويستشهد الكتاب بحفر قناة السويس كنموذج لقرار سياسي استراتيجي أعاد رسم خريطة التجارة العالمية وأوجد واقعاً جغرافياً جديداً.
يتطرق الكتاب إلى التطور التاريخي للنظم العالمية، بدءاً من النظام الذي أعقب حروب نابليون بقيادة بريطانيا، وصولاً إلى النظام الذي تلا الحرب العالمية الثانية بقيادة الولايات المتحدة. ويرى الباحثون أن هذه التحولات كانت دائماً مرتبطة بالقدرة على التحكم في الفضاء الجغرافي وتوظيفه لخدمة المصالح الاستراتيجية.
يميز الدكتور الشاهر بدقة بين مصطلحي الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيك، معتبراً الأخير 'الابن الشرعي' للأول. فبينما تكتفي الجغرافيا السياسية بدراسة مقومات الدولة الطبيعية والبشرية كما هي في الواقع، يهتم الجيوبوليتيك بالتنبؤ بمستقبل الدولة ورسم خطط توسعها بناءً على تلك المقومات.
يؤكد الكتاب أن الجيوبوليتيك يعتنق 'فلسفة القوة'، حيث يسعى لتحويل المعلومات الجغرافية إلى أدوات استراتيجية بيد القادة والسياسيين. وقد ارتبط هذا العلم تاريخياً بالصراعات الكبرى، حيث ازدهر في القرن العشرين الذي شهد أشرس النزاعات الدولية حول النفوذ والثروة والمساحة.
استعرض المؤلف إسهامات الفكر العربي والإسلامي في هذا المجال، مبرزاً دور العلامة ابن خلدون الذي حلل عوامل قيام الدول وسقوطها. وقد حدد ابن خلدون خمسة أطوار تمر بها الدولة، مما يجعله من أوائل الذين ربطوا بين السلوك البشري والبيئة الجغرافية والاجتماعية في سياق سياسي.
الجغرافيا السياسية هي مرآة للدولة تعكس صورتها الحقيقية، بينما يجعل الجيوبوليتيك الجغرافية في خدمة أهداف الدولة التوسعية.
تتناول فصول الكتاب أيضاً الفروق الجوهرية في المنهجية؛ فالجغرافيا السياسية تتسم بالثبات النسبي وتهتم برسم صور الماضي والحاضر. في المقابل، يُعد الجيوبوليتيك علماً حركياً متطوراً لا يعترف بالحدود الثابتة، بل يراها خطوطاً قابلة للتغيير وفقاً لمتطلبات القوة القومية للدولة.
يشرح الكتاب كيف ساهم وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر في تعميم مصطلح الجيوبوليتيك خلال الحرب الباردة. فقد نقل كيسنجر المصطلح من أروقة الأكاديميا الضيقة إلى صدارة النقاشات الإعلامية والسياسية، واصفاً به المنافسات الدولية المحتدمة بين القوى العظمى في ذلك الوقت.
يرى المؤلف أن الجغرافيا السياسية لا تهتم بالبناء الداخلي للسلطات التشريعية أو القضائية، بل تركز على مدى فعالية سيطرة الحكومة على إقليمها الجغرافي. هذا التركيز يجعل من العلم أداة لتقييم القوة الاقتصادية والسكانية للدولة وانعكاس ذلك على دورها الإقليمي والدولي.
يتوقف الكتاب عند مرحلة 'الحتم الجغرافي' التي سادت في بدايات العلم، حيث كان يُعتقد أن البيئة هي المحدد الوحيد للسلوك السياسي. ومع تطور التكنولوجيا، انتقل العلم إلى فهم أكثر تعقيداً يرى في الإنسان فاعلاً قادراً على تطويع الجغرافيا لخدمة أهدافه السياسية والعسكرية.
يؤكد الدكتور الشاهر أن أي تحليل سياسي يفتقر إلى العمق الجغرافي سيظل سطحياً وغير قادر على ربط الأجزاء بالكل. فالفهم الدقيق للتفاعل بين الظواهر السياسية والمكان أصبح ضرورة ملحة لفهم التغيرات المتسارعة في الخارطة السياسية للعالم المعاصر، خاصة في ظل الأزمات الراهنة.
خلصت الدراسة إلى أن الجغرافيا السياسية تظل هي 'الأصل' والجيوبوليتيك هو 'الفرع' المحرك للحقائق الجغرافية. فالعلم الأول يقدم البيانات والوصف الدقيق للواقع، بينما يأتي الثاني ليضع هذه البيانات في خدمة الطموحات السياسية، مما يجعل العلاقة بينهما تكاملية رغم الاختلاف الوظيفي.
يعد هذا الكتاب إضافة نوعية للمكتبة العربية، حيث يجمع بين التأصيل التاريخي والتحليل المعاصر لمفاهيم القوة والمكان. ويوفر للباحثين وصناع القرار إطاراً نظرياً لفهم كيف تدار الصراعات الدولية اليوم بناءً على معطيات الأرض والجغرافيا السياسية المتغيرة.





Share your opinion
الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيك.. قراءة في كتاب الدكتور شاهر الشاهر حول صياغة النظام العالمي