لا يبدو أن ظاهرة العائلات الحاكمة في ليبيا مجرد حدث طارئ على المشهد السياسي المعاصر، بل هي امتداد لتاريخ طويل تعاقبت فيه الأسر والسلالات على سدة الحكم. فمنذ مطلع القرن الثامن عشر مع تأسيس الدولة القرمانلية، ظل سؤال بناء الدولة المؤسسية مؤجلاً لصالح أنماط حكم وراثية اتخذت أشكالاً متعددة عبر العقود.
إن الإشكالية الجوهرية في التاريخ الليبي الحديث لم تكن تكمن في أسماء العائلات التي تصدرت المشهد، بل في تجذر فكرة اختزال الوطن داخل إطار عائلي ضيق. هذا الاختزال حول الدولة من كيان مؤسسي إلى إرث خاص، مما جعل الشعب في مرتبة التابع بدلاً من كونه مصدراً للسلطات والسيادة الوطنية.
عندما تتحول البلاد إلى ما يشبه المزرعة السياسية، تدار الأمور بمنطق الولاء الشخصي والمحاباة بدلاً من معايير الكفاءة والنزاهة المهنية. في هذه الحالة، يصبح الحكم مشروعاً عائلياً بامتياز، يحظى بمباركة فئات منتفعة تسعى لتحقيق ثراء فاحش عبر استغلال موارد الدولة ومؤسساتها التي تتحول لأدوات حماية.
ارتبط مفهوم الديكتاتورية في الوعي الجمعي الليبي لسنوات طويلة بالعسكرة والقبضة الأمنية الحديدية التي مارست التغييب القسري وصناعة الخوف. كانت تلك الديكتاتورية واضحة في معالمها، تعلن عن نفسها بصراحة وتفرض بقاءها بقوة السلاح، ظناً منها أن القمع كفيل بضمان الخلود في السلطة.
أثبتت التجارب التاريخية القريبة أن الأنظمة التي تُبنى على القمع والترهيب تسقط حتماً أمام إرادة الشعوب مهما طال أمد بقائها. ومع ذلك، يبرز اليوم تحدٍ جديد يتمثل في استنساخ نماذج هيمنة في مناطق مختلفة من البلاد، مما يهدد الحلم الليبي في الوصول إلى دولة مدنية ديمقراطية.
الخطر الحقيقي اليوم لا يقتصر على النماذج الخشنة المعروفة، بل في بروز ديكتاتورية ناعمة تتستر خلف شعارات الحرية والعدالة والدولة المدنية. هذا النموذج الجديد يمارس إدارة البلاد بعقلية الغنيمة، حيث تُختزل الثورة في مكاسب فئوية وتُستنزف موارد الدولة لصالح شبكات معقدة من الفساد والمحاباة.
في هذا النمط من الحكم، لا يُرفع السوط بشكل علني كما في الأنظمة العسكرية التقليدية، بل تُستخدم لافتات براقة وأدوات قانونية ملتوية لممارسة الإقصاء. يتم نهب مقدرات الدولة باسم التمكين، مما يخلق حالة من التضليل السياسي الذي يصعب على المواطن البسيط اكتشاف خفاياه في البداية.
المشكلة لم تكن يوما في اسم العائلة بقدر ما كانت في الفكرة ذاتها، فكرة اختزال الوطن في عائلة، واختزال الدولة في إرث، واختزال الشعب في تابع.
يثير هذا الواقع تساؤلات مشروعة حول كيفية نشوء أسر تحلم بالحكم الوراثي مجدداً بعد المعاناة الطويلة التي عاشها الليبيون في تجارب سابقة. هل هي أزمة وعي جمعي لم تعالج جذورها، أم أن الذاكرة السياسية القصيرة هي التي تسمح بتكرار مشاهد الاستبداد بصور وأقنعة مختلفة؟
إن أخطر ما يواجه ليبيا حالياً هو تسويق الحكم العائلي بوصفه ضمانة وحيدة للاستقرار والأمن، وكأن الشعب الليبي قاصر ويحتاج لوصاية دائمة. هذه المعادلة المختلة هي التي تعيد إنتاج الاستبداد وتمنع قيام عقد اجتماعي حقيقي يستند إلى المواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية.
ليبيا اليوم لا تعاني من نقص في العائلات الطامحة للسلطة، بل تعاني من غياب حقيقي للدولة التي تحكم بالقانون فوق الجميع. الدولة المنشودة هي التي يكون فيها المنصب العام تكليفاً ومسؤولية أمام الشعب، وليس تشريفاً أو ميراثاً ينتقل بين الأجيال كغنيمة حرب.
حين تغيب فلسفة الدولة المؤسسية، تتكاثر المشاريع العائلية شرقاً وغرباً، ويصبح الصراع على السلطة مجرد صراع على مراكز النفوذ والتمويل. إن إعادة تدوير الاستبداد في صور متعددة لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الأزمة الليبية وتعقيد مسارات الحل السياسي الشامل.
السؤال المصيري الذي يواجه الليبيين الآن ليس حول قدرهم مع العائلات الحاكمة، بل حول اختيارهم الفعلي للعيش تحت سيادة القانون. فالديكتاتورية مهما تنوعت أشكالها وتجملت شعاراتها تبقى معادلة خاسرة، والتاريخ يؤكد أن الحكم الذي لا يستند لرضا الناس مآله الزوال.
إن التحدي الحقيقي أمام القوى الوطنية الليبية ليس مجرد استبدال عائلة بأخرى أو قبضة صلبة بأخرى ناعمة، بل في كسر الفكرة المركزية للاستبداد. يجب إنهاء المفهوم الذي يرى في الوطن إرثاً شخصياً، والعمل على بناء مؤسسات وطنية راسخة تحمي الحقوق والحريات.
بمجرد كسر فكرة الحكم الفردي أو العائلي، ستسقط الرموز المصطنعة وتنهض الدولة الليبية من جديد على أسس متينة من الشرعية الشعبية. إن المستقبل مرهون بالقدرة على تحويل الدولة من ساحة للمغانم الشخصية إلى مؤسسة تخدم تطلعات الليبيين في الاستقرار والتنمية والكرامة.





Share your opinion
معضلة الحكم العائلي في ليبيا: بين الديكتاتورية الصلبة والناعمة