أثارت قضية الاعتداء الجنسي على طفل لم يتجاوز ربيعه الثالث في إحدى رياض الأطفال بمنطقة حي النصر بالعاصمة التونسية موجة غضب عارمة، حيث أطلق عليها المتابعون لقب 'إبستين تونس' نظراً لفداحة الجرم. وتكشفت تفاصيل القضية بعد منشور لوالدة الضحية اشتكت فيه من تعطل المسار القضائي، وسط اتهامات بوجود نفوذ يحمي الجاني الذي يعمل مصوراً وشقيقه مسؤول في سلك الطفولة، بينما تواترت أنباء عن فرار مديرة المؤسسة إلى خارج البلاد.
يرى مراقبون أن هذه الحادثة تعكس أزمة 'المواطنة التراتبية' في تونس، حيث يشعر البعض بأن النفوذ والعلاقات العائلية قد توفر غطاءً للإفلات من العقاب حتى في أبشع الجرائم ضد الطفولة. وقد ضجت منصات التواصل الاجتماعي بتساؤلات قلقة حول مصير المؤسسات التربوية التي كانت تونس رائدة فيها، وكيف تحولت بعض المساحات الخاصة إلى بؤر تهدد سلامة الأطفال في ظل غياب الرقابة الصارمة.
وفي سياق متصل، لا تنفصل هذه الظواهر عن مناخ عالمي يتسم بصعود اليمين المتطرف وتغلغل المال في الإعلام، كما هو الحال في فرنسا حيث تبرز شخصيات مثل فنسنت بولوري كداعمين لخطاب الكراهية. هذا التحالف بين الثروة والمنصات الإعلامية ساهم في تحويل العنصرية من فعل مجرم قانوناً إلى مادة للنقاش العام، مما يهدد المكتسبات الحقوقية والحريات الأساسية في المجتمعات الديمقراطية.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في الجريمة ذاتها بقدر ما يكمن في تطبيع الإفلات من العقاب، وفي تحويل العدالة إلى مسار تفاوضي يخضع لموازين القوة.
التصريحات الأخيرة للإعلامية الفرنسية كارين لو مارشون حول رؤيتها للمسلمين والسود في ضواحي باريس، كشفت عن عمق الأزمة الأخلاقية التي تعيشها بعض النخب الإعلامية. فرغم محاولاتها الدفاع عن نفسها، إلا أن حديثها عكس نظرة استعلائية وعنصرية دفعت الكثيرين للمطالبة بمحاسبتها، معتبرين أن تبريراتها زادت من فداحة الموقف وأكدت انفصال هذه النخب عن الواقع التعددي للمجتمع.
إن قضية جيفري إبستين في الولايات المتحدة تظل النموذج الأبرز لكيفية عمل شبكات النفوذ العابرة للحدود، حيث تتقاطع المصالح المالية والسياسية لحماية المنحرفين من ذوي السلطة. فالعلاقة بين ليون بلاك وإبستين، والتمويلات الضخمة التي قدمت تحت غطاء الاستشارات، تظهر كيف يمكن للمنظومات القانونية والمؤسساتية أن تُصمم أحياناً لخدمة الاستقرار والنفوذ بدلاً من تحقيق العدالة المجردة للضحايا.
في نهاية المطاف، يفتقر العالم اليوم إلى الإرادة السياسية الحقيقية لتطبيق القوانين عندما تتعارض مع مصالح النخب المؤثرة، سواء في تونس أو في عواصم الغرب. إن مواجهة هذه الجرائم تتطلب وعياً جمعياً يرفض تحويل العدالة إلى مسار تفاوضي، ويصر على تفكيك شبكات العلاقات المشبوهة التي تسمح بحدوث الفظاعات ثم تتعامل معها كاستثناءات عابرة لا كخلل بنيوي.





Share your opinion
من تونس إلى باريس.. حين تتقاطع فظاعات 'إبستين' مع خفة العنصرية ونفوذ المال