كشفت دراسة حديثة صادرة عن جامعة أكسفورد عن تحول جذري في مسارات رؤوس الأموال الإفريقية، حيث باتت النخب والشركات في القارة السمراء تتجه بصورة متزايدة نحو المراكز المالية الآسيوية. وتصدرت دبي وسنغافورة وهونغ كونغ قائمة الوجهات المفضلة، مستفيدة من تشديد القيود التنظيمية والرقابية في الملاذات التقليدية مثل سويسرا.
وأوضحت الدراسة أن هذا الهروب الكبير لرؤوس الأموال يلحق خسائر فادحة بالاقتصادات الإفريقية المتعثرة أصلاً. واستندت الورقة البحثية إلى أرقام صادرة عن الأمم المتحدة تشير إلى أن القارة الإفريقية تفقد ما يزيد عن 88 مليار دولار سنوياً نتيجة هذه التدفقات المالية الخارجة التي وصفتها بـ 'النزيف المستمر'.
ووصفت الورقة البحثية، التي أعدها البروفيسور ريكاردو سواريس دي أوليفيرا، المراكز الآسيوية الثلاثة بأنها أصبحت الروابط العابرة للحدود الأكثر نمواً وأهمية للقارة الإفريقية. ويأتي هذا التحول في سياق إعادة تموضع مالي عالمي يبتعد تدريجياً عن الهيمنة الغربية نحو بدائل توفر مرونة أكبر وسرية أعمق.
وفي تصريحات لمصادر صحفية استقصائية، أكد دي أوليفيرا أن بحثه جاء نتيجة ملاحظة الزيادة الهائلة في الروابط الإفريقية مع المراكز الآسيوية خلال العقد الأخير. وأشار إلى أنه بينما أصبحت بعض المراكز التقليدية أكثر تشدداً، ظهرت مراكز أخرى لتلبية الطلب المتزايد على إخفاء الأموال وحمايتها من الملاحقات.
وتبرز دبي في التقرير كأهم مركز مالي مرتبط بإفريقيا في الوقت الراهن، ليس فقط كوجهة استثمارية بل كلاعب رئيسي في التدفقات المالية غير المشروعة. وأشار التقرير إلى أن الإمارة أصبحت رابع أكبر مصدر للاستثمار الأجنبي المباشر في القارة، مدعومة ببنية تحتية متطورة وشبكة طيران واسعة.
ولفتت الدراسة إلى أن دبي استقطبت أصحاب الثروات الكبيرة عبر حوافز ضريبية وتنظيمات وصفتها بـ 'الخفيفة'، مما وفر بيئة مثالية للسرية المالية. هذه الجاذبية جعلت من الإمارة وجهة مفضلة للنخب التي تبحث عن ملاذات آمنة بعيداً عن أعين الرقابة الدولية والوطنية في بلدانهم الأصلية.
وسلط البحث الضوء على دور دبي كحلقة وصل أساسية في عمليات تهريب الذهب من إفريقيا، حيث استحوذت على نحو 95% من تجارة الذهب غير القانونية القادمة من شرق ووسط القارة في عام 2020. وتتم عمليات غسل هذه المعادن الثمينة عبر صهرها ودمجها بذهب آخر قبل إعادة تصديرها للأسواق العالمية.
إفريقيا تنزف أكثر من 88 مليار دولار سنوياً نتيجة التدفقات المالية إلى الخارج نحو مراكز مالية آسيوية ناشئة.
كما وصفت الدراسة دبي بأنها 'ملاذ معروف للنخب الفاسدة'، مشيرة إلى أن الإقامة هناك توفر حصانة عملية من الملاحقة القانونية الدولية. واستشهد التقرير بحالات شهيرة مثل إيزابيل دوس سانتوس من أنغولا والإخوة غوبتا من جنوب إفريقيا، الذين لا يزالون في مأمن من طلبات التسليم الدولية.
وعلى صعيد الاستثمار العقاري، شهدت دبي طفرة غير مسبوقة من قبل المستثمرين الأفارقة، حيث ارتفعت استثماراتهم بأكثر من أربعة أضعاف بين عامي 2013 و2018. ويعكس هذا التوجه رغبة النخب في تحويل السيولة النقدية إلى أصول ثابتة في بيئة تضمن لهم السرية التامة وحماية الملكية.
وتطرقت الدراسة إلى قرار مجموعة العمل المالي (FATF) بإزالة الإمارات من 'القائمة الرمادية' في عام 2024، معتبرة أن الخطوة قد تكون مرتبطة بحسابات جيوسياسية. وأشارت مصادر إلى أن دولاً أوروبية ضغطت في هذا الاتجاه لتأمين احتياجاتها من الطاقة بعد الأزمة الروسية الأوكرانية، رغم استمرار بعض الثغرات الرقابية.
أما بالنسبة لسنغافورة وهونغ كونغ، فقد أكدت الدراسة أنهما يقدمان بيئة مشابهة لدبي من حيث التنظيم المتساهل وحماية الأصول. ورغم أنهما أقل شعبية كوجهات للعيش الدائم للنخب الإفريقية، إلا أنهما يلعبان دوراً محورياً في إدارة اقتصاد 'الأوفشور' المرتبط بالشركات الكبرى العاملة في القارة.
وتحولت هونغ كونغ بفضل المصالح الصينية المتنامية في إفريقيا إلى محطة عبور رئيسية للتدفقات المالية، خاصة في القطاعات الاستخراجية. وتعتمد العديد من الشركات الصينية على ترتيبات مالية غامضة في هونغ كونغ لتنفيذ معاملاتها، مما يفتح الباب أمام ممارسات التهرب الضريبي وغسل الأموال.
وأظهرت تسريبات 'وثائق باندورا' و'أوفشور ليكس' تورط شخصيات إفريقية بارزة في استخدام شركات مقرها سنغافورة لإخفاء أصولهم. ومن بين هذه الشخصيات رجال أعمال وسياسيون من زيمبابوي ونيجيريا، استغلوا قوانين السرية الصارمة لبناء هياكل مالية معقدة تخفي الهوية الحقيقية للملاك.
وفي الختام، شددت الدراسة على أن صعود المراكز الآسيوية لا يعني نشوء نظام مالي منفصل، بل هو توسيع لشبكة 'الأوفشور' العالمية القائمة. وحذر دي أوليفيرا من أن أي إصلاحات لمكافحة التدفقات غير المشروعة يجب أن تكون عالمية وشاملة، وإلا فإن الأموال ستستمر في الانتقال ببساطة إلى الولايات القضائية الأكثر تساهلاً.





Share your opinion
دراسة لأكسفورد: دبي والمراكز الآسيوية تتحول إلى الملاذ الأول لأموال النخب الإفريقية