Tue 17 Feb 2026 7:11 pm - Jerusalem Time

ازدواجية المعايير الأوروبية: من غزة إلى غرينلاند.. صحوة متأخرة للقانون الدولي

يرى مراقبون في العواصم الأوروبية أن الأزمة الراهنة المتعلقة بجزيرة غرينلاند تمثل نقطة تحول تدفع القارة نحو الاعتماد على الذات في الشؤون الدفاعية. يأتي ذلك بعد أن استشعرت الدول الأوروبية أن الولايات المتحدة، في ظل الإدارة الحالية، باتت تشكل تهديداً مباشراً حتى على أقرب حلفائها التقليديين.

لقد بدأت أوروبا تستعيد ذاكرتها القانونية فجأة، حيث تصدر مصطلح 'القانون الدولي' تصريحات القادة والبيانات الرسمية بعد فترة طويلة من الغياب المتعمد. هذا الاستحضار المفاجئ للمواثيق الدولية جاء كرد فعل على التهديدات الأمريكية بالاستحواذ على أراضٍ تابعة للسيادة الدانمركية.

شهدت الأيام الأولى من عام 2026 تصعيداً أمريكياً غير مسبوق، بدأ بشن هجوم مباغت على العاصمة الفنزويلية كراكاس واختطاف الرئيس نيكولاس مادورو. ورغم خطورة الحدث، اكتفت أوروبا ببيان خجول لم يتطرق لانتهاك سيادة الدول أو القانون الدولي، مما عكس ضوءاً أخضر ضمنياً للتحركات الأمريكية.

سارع الرئيس دونالد ترمب بعد ذلك إلى إطلاق حملة علنية للاستحواذ على جزيرة غرينلاند، وهي مساحة شاسعة تعادل نصف أراضي الاتحاد الأوروبي. ومنذ تلك اللحظة، اكتشف المسؤولون الأوروبيون أهمية القانون الدولي وضرورة احترامه لحماية أمنهم القومي ومصالحهم الجيوسياسية.

تتجلى الخبرة الأوروبية الطويلة في 'انتقائية' استدعاء القانون الدولي بوضوح عند النظر إلى الموقف من الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة. فبينما تشتعل القارة دفاعاً عن غرينلاند، غابت الإشارات الواضحة للقانون الدولي عن معظم البيانات المتعلقة بجرائم الإبادة الجماعية في فلسطين.

لقد تجاهلت مراكز صنع القرار في بروكسل الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في يوليو 2024، والذي أكد عدم شرعية الاحتلال الإسرائيلي. كما لم تعر أوروبا اهتماماً لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي حدد مهلة عام واحد لإنهاء الاحتلال، وهي المهلة التي انقضت دون أي تحرك جاد.

بدلاً من اتخاذ خطوات عملية لردع الاحتلال، انهمك القادة الأوروبيون في تكرار شعارات 'حل الدولتين' دون ممارسة أي ضغوط حقيقية. بل وصل الأمر إلى الترحيب بخطة ترمب بشأن غزة، رغم أنها قُدمت بالتعاون مع رئيس وزراء إسرائيلي ملاحق دولياً بتهم ارتكاب جرائم حرب.

ظهر التناقض الأوروبي في أبهى صوره خلال قمة شرم الشيخ، حيث صفق المسؤولون الأوروبيون لترمب والتقطوا الصور التذكارية معه. كانت تلك الخطة تكرس واقعاً استعمارياً في غزة، وتتجاهل تماماً كرامة الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة التي كفلها القانون الدولي الذي يتغنون به اليوم.

إن الصمت الأوروبي تجاه إسقاط القانون الدولي تحت أقدام الإدارة الأمريكية في فلسطين، شجع واشنطن على تجربة ذات النموذج الاستحواذي مع الحلفاء. والآن، ترتفع أصوات الشكوى في أوروبا من 'الأساليب الاستعمارية الجديدة' التي مست سيادتهم ومصالحهم المباشرة في الشمال المتجمد.

لا يمكن إعفاء النخب السياسية والإعلامية في أوروبا من المسؤولية عن تمادي واشنطن في انتهاك الأعراف الدولية. فالعالم شهد مواقف متكررة امتنعت فيها القارة عن الإشارة للقانون الدولي، أو لفقوا فيها ذرائع لتبرير انتهاكات جسيمة بناءً على حسابات مصلحية ضيقة.

من المثير للشفقة أن يكتشف المسؤولون في الدانمرك وبقية دول الاتحاد مصطلح القانون الدولي الآن فقط، وكأنه مقتنى قديم عثروا عليه في صندوق المهملات. إن هذا السلوك يؤكد أن المبادئ لا تُستدعى إلا عندما تمس المخاطر حدود القارة العجوز وأمنها الخاص.

لقد حذرت أصوات ثقافية وفكرية عالمية منذ مطلع عام 2024 من أن التهاون مع الفظائع في غزة سيؤدي إلى انهيار السلم العالمي. وأكد إعلان 'التحدي الأخلاقي' أن استخدام القيم والمواثيق بصفة انتقائية ينزع المصداقية عن القوى الدولية ويزرع بذور الغضب في الأجيال القادمة.

تجاهل القادة الأوروبيون حتى التحذيرات الداخلية، مثل صرخة جوزيب بوريل الذي نبه إلى أن التناقض بين الموقف من أوكرانيا وغزة سيفقد أوروبا سلطتها الأخلاقية. ولم ينجح الاتحاد الأوروبي في التوافق على موقف يدعو لوقف إطلاق النار إلا بعد مرور ستة أشهر من حرب الإبادة.

إن الدرس المستفاد من أزمة غرينلاند هو أن التراخي في حماية المبادئ الكونية يرتد دائماً على أصحابه في النهاية. فمن يسوغ انتهاك سيادة الدول في الجنوب، لا يملك الحجة الأخلاقية لمنع تكرار ذات السيناريو في الشمال، ما لم يتخلَّ عن نهجه الانتقائي المقيت.

Tags

Share your opinion

ازدواجية المعايير الأوروبية: من غزة إلى غرينلاند.. صحوة متأخرة للقانون الدولي

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.