Tue 17 Feb 2026 5:26 am - Jerusalem Time

غزة تختبر التحالف الغربي في ميونخ 2026

Said Erikat

Opinion Writer

واشنطن – سعيد عريقات – 17/2/2026

تحليل إخباري

بدت غزة في مؤتمر ميونخ للأمن لعام 2026 كملف سياسي وأخلاقي يطغى على كثير من النقاشات، حتى حين كان جدول الأعمال مزدحماً بأوكرانيا والصين والطاقة. ففي القاعات الرئيسية، وفي الأحاديث الجانبية، بدت الحرب في غزة كأنها اختبار مزدوج: اختبار لحدود النفوذ الأميركي على إسرائيل، واختبار لقدرة أوروبا على تحويل حساسيتها الإنسانية إلى سياسة ضاغطة. حاولت واشنطن ضبط النقاش ضمن فكرة "منع اتساع الحرب" وتخفيف التوتر الإقليمي، بينما دفع الأوروبيون باتجاه لغة أكثر صراحة حول الكلفة الإنسانية وضرورة وقف إطلاق نار طويل، وربط أي مرحلة لاحقة بأفق سياسي واضح.

هذا التوتر لم يأتِ من فراغ. فالحضور الأميركي في ميونخ كان كثيفاً ومتنوعاً، ضم مسؤولين من الإدارة وأعضاء من الكونغرس من الحزبين وقادة عسكريين ومسؤولين أمنيين وخبراء من مراكز بحثية ومسؤولين سابقين. لم تكن المشاركة بروتوكولية، بل بدت محاولة لإرسال رسائل متعددة في وقت واحد: طمأنة الحلفاء بأن الالتزام الأميركي بأمن أوروبا ما زال قائماً، ردع الخصوم وخصوصاً روسيا، وإظهار أن التحالفات الخارجية لا تزال جزءاً من “المصلحة الأميركية” رغم الاستقطاب الداخلي.

واتسم الخطاب الأميركي بثلاث ركائز: التأكيد على أن أوروبا شريك لا يمكن استبداله وأن أمنها جزء من الأمن القومي الأميركي، التحذير من أن التهديد الروسي لم يتراجع وأن أي تهاون في دعم أوكرانيا سيُنتج كلفة أعلى لاحقاً، ثم طرح مفهوم "الردع المتعدد" الذي يربط بين ساحات التوتر المختلفة بوصفها مسارح مترابطة سياسياً وعسكرياً. هذه الصياغة حاولت تقديم صورة قوة قادرة على إدارة ملفات متزامنة، لكنها أخفت أيضاً حقيقة أن إدارة الأزمات أصبحت هي البديل الأكثر حضوراً عن الحلول.

بالنسبة لأوكرانيا، ظهر المؤتمر كأنه منصة لإعادة شحن الدعم الغربي ومنع التعب السياسي. شددت الولايات المتحدة على أن دعم كييف ليس عملاً خيرياً بل استثمار في منع سابقة تغيير الحدود بالقوة. وفي الوقت نفسه، ضغطت واشنطن على الأوروبيين للانتقال من رد الفعل إلى بناء قدرة ردع مستدامة عبر تمويل طويل الأمد وتسريع إنتاج الذخائر. وكان واضحاً أن فجوة التصنيع العسكري في أوروبا، مقارنة بحجم الحرب وطولها، تحولت إلى نقطة ضعف إستراتيجية تفرض نفسها على كل نقاش.

ومن هنا انتقل الحديث إلى الناتو. ناقش الأميركيون مع الحلفاء رفع الجاهزية وزيادة الإنفاق الدفاعي وتوسيع مخزون الذخائر وتحسين سلاسل الإمداد، مع تحديث مفهوم الردع ليشمل الهجمات السيبرانية وحروب المعلومات والضغط الاقتصادي والابتزاز عبر الطاقة. الرسالة الأميركية الأساسية كانت أن أوروبا مطالبة بالتحول من "مستهلك للأمن" إلى "منتج للأمن"، ليس فقط عبر المال، بل عبر توسيع القاعدة الصناعية الدفاعية وتقليل الاعتماد على واشنطن في بعض القدرات التكتيكية.

لكن غزة ظلت الملف الذي يضغط على صورة الولايات المتحدة أكثر من غيره. فواشنطن وجدت نفسها بين الحفاظ على تحالفها التقليدي مع إسرائيل، وبين مواجهة انتقادات أوروبية ودولية بشأن الكلفة الإنسانية للحرب وغياب تصور سياسي لما بعد العمليات. حاول الخطاب الأميركي الموازنة بين "حق إسرائيل في الأمن" (وفق المعايير الأميركية) وضرورة حماية المدنيين، وبين منع اتساع الحرب وعدم فقدان النفوذ. غير أن هذا التوازن بدا هشاً، لأن كثيراً من الأوروبيين لم يعودوا يكتفون بتعهدات عامة، بل يريدون التزاماً أميركياً بخط سياسي واضح يخفف الانفجار الإقليمي ويعيد الاعتبار للمعايير القانونية.

وفي ملف إيران والبحر الأحمر، ركزت الولايات المتحدة على أن الردع لا يعني التصعيد المفتوح، بل "إدارة المخاطر" عبر ضربات محدودة وعقوبات وتحالفات بحرية وضغط دبلوماسي. بدا أن واشنطن تريد تثبيت معادلة: حماية الملاحة الدولية ومنع توسع الهجمات، دون فتح جبهة تستنزفها وهي تحاول الحفاظ على تركيزها الاستراتيجي الأكبر. وفي هذا السياق، لم يكن الشرق الأوسط ملفاً منفصلاً، بل جزءاً من شبكة أوسع تربط بين الردع والقدرة على توزيع الموارد.

ورغم أن مؤتمر ميونخ غربي الطابع، إلا أن الصين كانت حاضرة بقوة. ودفعت واشنطن لإبقاء بكين في قلب النقاش، معتبرة أن التحدي الصيني ليس عسكرياً فقط بل صناعي وتكنولوجي وتجاري. وحذرت من الاعتماد الأوروبي على سلاسل توريد حساسة مرتبطة بالصين، خاصة في أشباه الموصلات (Semi-conductors) والمعادن النادرة والبنية التحتية الرقمية. لكن الأوروبيين بدوا أقل حماساً لمعادلة الاصطفاف الكامل، لأن مصالحهم الاقتصادية مع الصين عميقة، لذلك ظل مفهوم "خفض المخاطر" الأوروبي أكثر براغماتية من المقاربة الأميركية.

وفي الطاقة والاقتصاد، قدمت الولايات المتحدة نفسها كداعم لتنويع مصادر الطاقة الأوروبية عبر الغاز الطبيعي المسال وشراكات الطاقة المتجددة. لكن بعض الأوروبيين أبدوا قلقاً من أن واشنطن تستفيد اقتصادياً من الأزمة بينما تتحمل أوروبا كلفة التضخم والركود. هذا التوتر لم يتفجر على المنصات، لكنه كان حاضراً في الكواليس، كإشارة إلى أن التحالف الغربي بات يدار أيضاً بمنطق توزيع الأرباح والخسائر.

وأثار وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو جدلاً واسعا حين تحدث بصيغة مباشرة عن ضرورة "استعادة الهيمنة الغربية" على النظام الدولي، محملاً الأوروبيين مسؤولية التحول من شركاء مترددين إلى رافعة سياسية واقتصادية وعسكرية للمشروع الغربي. هذا الطرح كشف تناقضاً بين لغة الشراكة ولغة القيادة الأحادية، وبين الحاجة إلى الحلفاء والرغبة في ضبطهم.

وزاد ارتباك الرسالة مع بروز خلاف أميركي–أميركي في المؤتمر، بين من يدعو إلى تشدد أكبر تجاه روسيا والصين، ومن يطالب بأولوية الداخل الأميركي وتقليل الالتزامات الخارجية. كما ظهر اختلاف بين مسؤولين حاليين وسابقين حول غزة وإيران، بين من يرى أن غياب الأفق السياسي يفرض ثمناً أخلاقياً واستراتيجياً، ومن يركز على منع اتساع الحرب وحماية المصالح المباشرة.

في المحصلة، بدا ميونخ 2026 اختباراً مزدوجاً: لصلابة التحالف عبر الأطلسي، ولقدرة واشنطن على طمأنة حلفائها في ظل استقطابها الداخلي. الولايات المتحدة حضرت لتقول إنها ما زالت القائد، لكنها في الوقت نفسه قالت لأوروبا إن زمن الاعتماد الكامل انتهى. وبين غزة وأوكرانيا والصين، ظهر غرب قائم لكنه أقل ثقة وأكثر توتراً، ومستقبل لن يُحسم بالشعارات بل بشراكة طويلة الأمد قابلة للقياس.

Tags

Share your opinion

غزة تختبر التحالف الغربي في ميونخ 2026

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.