تتصاعد حدة الحديث داخل أروقة المؤسسة العسكرية للاحتلال حول طبيعة المواجهة المحتملة مع إيران، حيث تتوجه الأنظار بشكل مكثف نحو العمليات السيبرانية التي تستهدف أنظمة الحاسوب والشبكات العسكرية. هذا التوجه يكشف عن استراتيجية متزايدة تهدف إلى دمج القدرات السيبرانية الهجومية كعنصر أساسي في العمليات القتالية الحديثة، بدلاً من التعامل معها كأداة إسناد منفصلة.
وفي شهادة لافتة، كشف الجنرال دورون هدار، القائد السابق لوحدة إدارة الأزمات والمفاوضات في جيش الاحتلال أن الولايات المتحدة لعبت دوراً محورياً في هذا السياق. حيث نفذت القيادة السيبرانية الأمريكية هجمات استهدفت المواقع النووية الإيرانية قبل شن هجمات عسكرية أوسع خلال ما عُرف بحرب الـ12 يوماً في يونيو 2025.
أوضحت التقارير أن العمليات الأمريكية ركزت بشكل أساسي على تعطيل أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية، بهدف تقليص قدرة طهران على التصدي للطائرات الحربية العاملة في المنطقة. هذا المزيج بين الهجوم التقليدي والسيبراني أدى إلى شلل في شبكات القيادة والسيطرة العسكرية، مما سهل تنفيذ المهام الجوية بدقة أكبر ومخاطر أقل.
وضمن سياق الحرب الإلكترونية، برز اسم مجموعة قرصنة تُدعى 'العصفور المفترس'، والتي شنت هجوماً إلكترونياً واسعاً استهدف بنك الصفا التابع للحرس الثوري الإيراني. الهجوم لم يقتصر على اختراق البيانات، بل امتد ليشل الأنظمة المصرفية بالكامل ويعطل أجهزة الصراف الآلي، مما تسبب في إرباك مالي داخل المؤسسة العسكرية الإيرانية.
من جانبه، أشار هدار في تحليل نشرته صحافة الاحتلال إلى أن الكيان يواجه بدوره مئات الهجمات السيبرانية اليومية التي تنطلق من منصات إيرانية مختلفة. تتنوع هذه الهجمات بين محاولات حجب الخدمة الموزعة (DDoS) وبين عمليات تجسسية معقدة تهدف إلى اختراق وتخريب الأنظمة الحيوية في الداخل.
خلال المواجهات الأخيرة، لوحظ ارتفاع حاد في وتيرة الهجمات الإيرانية التي سعت لتحقيق إنجازات معنوية وإحراج المنظومة الأمنية للاحتلال. ووفقاً للمصادر، فإن هذه الهجمات تهدف بالدرجة الأولى إلى إحداث حالة من الفوضى في القطاعات الاقتصادية الحيوية لزعزعة الاستقرار الداخلي.
وفي تطور متصل، شنت مجموعات إلكترونية تُعرف باسم 'حنظلة' سلسلة من الهجمات على كيانات تابعة للاحتلال في نهاية الحرب الأخيرة. وتشير كافة الأدلة الاستخباراتية إلى أن هذه المجموعة تعمل تحت إشراف مباشر من الحرس الثوري الإيراني، وتستخدم كذراع تقني لتنفيذ أجندات سياسية وعسكرية.
الاتجاه المتزايد نحو دمج القدرات السيبرانية الهجومية يجعلها جزءاً لا يتجزأ من العمليات الحديثة وليست مجرد أداة منفصلة.
تعتبر طهران ذراعها السيبراني وسيلة فعالة ليس فقط في إطار الحرب النفسية، بل كبديل استراتيجي لتعويض النقص في بعض أسلحة الحرب التقليدية. هذا الأسلوب يتيح لها تنفيذ عمليات تخريبية بتبعات سياسية أقل حدة من المواجهة العسكرية المباشرة والمفتوحة.
سجلت التقارير الميدانية وقوع انفجارات غامضة في منطقة بندر عباس في 31 يناير الماضي، أسفرت عن وقوع ست وفيات على الأقل. ورغم ادعاء السلطات الإيرانية أن الحادث ناتج عن تسرب غاز، إلا أن التوقيت والسياق أثارا شكوكاً واسعة حول تدخلات خارجية تقنية.
في مطلع فبراير الجاري، تعرضت قوات الحرس الثوري في مضيق هرمز لهجمات سيبرانية وصفت بالخطيرة، استهدفت أنظمة الاتصالات البحرية. هذه الهجمات تزامنت مع توترات ميدانية متصاعدة في الممرات المائية الدولية، مما يعكس حجم الاختراق في المنظومات الدفاعية الحساسة.
كما شهدت محافظة إردبيل انفجاراً قوياً وغير مألوف في منشأة 'راست' النفطية التابعة للحرس الثوري في السادس من فبراير. وتربط التحليلات العسكرية بين هذه الانفجارات وبين نشاط سيبراني متطور قادر على التلاعب بأنظمة التحكم الصناعية وتفجيرها عن بُعد.
تشبه هذه العمليات في تكتيكاتها ما حدث في عمليات أجهزة النداء والاتصالات التي استهدفت حزب الله في وقت سابق، حيث يتم استغلال الثغرات التقنية لتنفيذ ضربات مادية. هذا النوع من النشاط يظل 'دون عتبة الرد الحاسم'، مما يجعل من الصعب نسبه لدولة بعينها بشكل رسمي لتجنب التصعيد الشامل.
يتوقع الخبراء العسكريون أن تشهد السنوات القادمة تزايداً في الاعتماد على شل المؤسسات الحكومية عبر تعطيل أنظمتها الحاسوبية المركزية. إن الهدف النهائي من هذه الاستراتيجية هو خلق حالة من الفوضى العارمة التي قد تؤدي في نهاية المطاف إلى زعزعة استقرار الأنظمة السياسية من الداخل.
يبقى الصراع السيبراني بين الاحتلال وإيران ساحة مفتوحة للمفاجآت، حيث تتطور الأدوات الهجومية بشكل أسرع من المنظومات الدفاعية. ومع استمرار دمج هذه القدرات في العقيدة العسكرية، تصبح الحدود بين الحرب الافتراضية والحرب الواقعية شبه منعدمة.





Share your opinion
دمج الهجمات السيبرانية بالعمليات العسكرية: تفاصيل المواجهة الخفية بين الاحتلال وإيران