Fri 13 Feb 2026 2:16 pm - Jerusalem Time

بن نعمان: تقرير مصير الجزائر استند لوحدة الهوية ورفض الطروحات الجهوية والعرقية

يواصل الباحث والمفكر الجزائري الدكتور أحمد بن نعمان تقديم مقاربته التأصيلية لمسألة تقرير المصير في الجزائر، مستنداً إلى الوقائع التاريخية الموثقة وشهادات الفاعلين الأساسيين في لحظة تأسيس الدولة الحديثة. ويرى بن نعمان أن محطة الاستفتاء على الاستقلال لم تكن مجرد إجراء إداري، بل لحظة حاسمة أكدت وحدة الشعب الجزائري وتجاوزه لكل محاولات التفتيت الاستعمارية.

ويستحضر الكاتب شهادات قيادية من قلب الثورة، من بينها شهادة الرئيس بن يوسف بن خدة ووزير الخارجية الأسبق سعد دحلب، حول كواليس المفاوضات مع الجانب الفرنسي. فقد أبدى قادة الثورة استغرابهم من إصرار الجنرال شارل ديغول على إجراء الاستفتاء، مراهناً على إمكانية تصويت الجزائريين ضد الانفصال عن فرنسا، وهو الرهان الذي خسرته باريس أمام وعي الشعب.

لقد برهن الشعب الجزائري على وطنيته المنقطعة النظير في محطات مفصلية سبقت الاستفتاء، أبرزها مظاهرات 11 ديسمبر 1960 في المدن الكبرى، ومسيرات الأول من أكتوبر 1961 في قلب العاصمة الفرنسية. هذه الهبة الشعبية الموحدة على أرض الوطن وفي المهجر، منحت القيادة السياسية الثقة الكاملة في قبول رهان الاستفتاء الشعبي كأداة لانتزاع السيادة الكاملة.

وجاءت نتائج الاستفتاء التاريخي بنسبة 97% لصالح الاستقلال في كافة ولايات الوطن، مما شكل اعترافاً دولياً وفرنسياً بوحدة الشعب الجزائري. ويؤكد بن نعمان أن هذه النتيجة الكاسحة كانت رداً قاطعاً على مشاريع فصل الصحراء عن التراب الوطني، ومحاولات فرض الهيمنة الثقافية واللغوية الفرنسية على الدولة الناشئة.

ويشير المقال إلى أن بيان أول نوفمبر كان المرجعية الأساسية التي لم تتزحزح عنها الثورة، حيث نص صراحة على إقامة دولة ديمقراطية ذات سيادة في إطار المبادئ الإسلامية. كما شدد البيان على تحقيق وحدة شمال أفريقيا في إطارها الطبيعي العربي الإسلامي، مع احترام الحريات الأساسية لكافة المواطنين دون تمييز عرقي أو ديني.

ويرى الدكتور بن نعمان أن قادة الثورة استبقوا بحدسهم محاولات التلاعب بمستقبل الوحدة الوطنية التي تظهر اليوم تحت دعاوى الاختلافات العرقية أو القبلية. فالهوية الوطنية في الفكر النوفمبري تجعل 'وحدة الشهادة' فوق اللهجات المحلية، وتعتبر الانتماء للوطن خياراً إرادياً يقوم على المرجعية الحضارية المشتركة.

وفي سياق دحض المزاعم الجهوية، يروي الكاتب تجربته الشخصية كعضو في جيش التحرير الوطني ومشرف على مركز انتخابي بمدينة الناصرية في ولاية تيزي وزو. حيث أكد أن نسبة المصوتين بـ 'لا' ضد الاستقلال لم تتجاوز 3%، وهي نسبة كانت موزعة رمزياً على مختلف جهات الوطن ولم تتركز في منطقة معينة.

ويوضح الكاتب أن الخيانة أو الوطنية هي مسألة تتعلق بأفراد وفئات محدودة، وليست مرتبطة بعرق أو جهة جغرافية محددة كما يحاول بعض 'الوكلاء' الترويج له اليوم. فالتاريخ يثبت أن الشعب الجزائري توحد بدم الجهاد والاستشهاد من أقصى البلاد إلى أدناها، رافضاً منطق التجزئة الذي حاول الاستعمار زرعه.

ويستدل بن نعمان بموقف لافت للجنرال ديغول نفسه خلال زيارته لمدينة تيزي وزو عام 1961، حين طلب ترجمة خطابه إلى اللغة العربية حصراً أمام آلاف الحاضرين. هذا الموقف يمثل اعترافاً ضمنياً من رأس الدولة الاستعمارية باللغة العربية كلسان جامع للشعب الجزائري، بما يتوافق مع مبادئ الحركة الوطنية وحزب الشعب.

إن العودة إلى الوضع الطبيعي العربي الإسلامي للجزائر كانت الهدف الأسمى لثورة التحرير، وهو وضع يمتد لقرون طويلة قبل الغزو الفرنسي عام 1830. وقد انصهرت الأعراق والأصول المختلفة في بوتقة الإسلام واللسان العربي، ليصبح المعيار الوحيد للتمايز هو التقوى وحب الوطن والدفاع عن ثوابته المكتسبة.

وينتقد المقال الأطروحات المعاصرة التي تحاول إعادة إنتاج الخطاب العرقي، مؤكداً أن الهوية الوطنية تُكتسب بالإرادة والالتزام بالثوابت وليست مجرد موروث بيولوجي. فالتصويت لصالح الاستقلال كان عقداً اجتماعياً شاملاً شارك فيه الجزائريون بمختلف لهجاتهم وانتماءاتهم المناطقية تحت راية واحدة.

ويقارن الكاتب بين وضع 'الحركى' والعملاء الذين انتقلوا إلى فرنسا واندمجوا في قوانينها وثوابتها دون المطالبة بحقوق عرقية، وبين محاولات البعض إثارة هذه القضايا داخل الجزائر. فالدولة الفرنسية تفرض قانوناً يعلو على الجميع تحت شعار المساواة، بينما يسعى البعض لزعزعة استقرار الجزائر بطروحات ترفضها حتى الدول التي تدعمهم.

إن تزامن تاريخ الاحتلال في 5 يوليو 1830 مع تاريخ استرجاع السيادة في 5 يوليو 1962 يحمل دلالة عميقة على إرادة التصحيح التاريخي. هذا التلازم يؤكد أن الشعب الذي استطاع تحويل يوم الانكسار إلى يوم للانتصار، قادر على حماية استقلاله من بذور التفتيت التي قد تظهر بأشكال جديدة.

ويختتم بن نعمان قراءته بالتأكيد على أن الوعي القائم والنظام الشعبي الحازم هما الضمانة الوحيدة لاستمرار السيادة الوطنية في ظل التقلبات الراهنة. فالدستور الوطني المطبق بعدل صارم هو الكفيل بحماية إرادة الشعب التي تجلت في استفتاء تقرير المصير، بعيداً عن أي حسابات جهوية أو عنصرية ضيقة.

Tags

Share your opinion

بن نعمان: تقرير مصير الجزائر استند لوحدة الهوية ورفض الطروحات الجهوية والعرقية

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.