فاجأ الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الأوساط السياسية والعسكرية بقرار أصدره ظهر الأربعاء، يقضي بترقية الفريق أشرف سالم زاهر إلى رتبة فريق أول وتعيينه وزيراً للدفاع والإنتاج الحربي. وجاء هذا القرار ليطيح بالفريق أول عبد المجيد صقر الذي لم يقضِ في منصبه سوى عام وسبعة أشهر، وهي الفترة الأقصر في تاريخ وزراء الدفاع المصريين منذ ثورة يوليو 1952.
أثار التوقيت والآلية التي تم بها التغيير موجة من التكهنات، خاصة وأن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي كان قد عرض التشكيل الحكومي على البرلمان قبل يوم واحد فقط مؤكداً بقاء صقر في منصبه. هذا التضارب بين إعلان البرلمان والقرار الرئاسي اللاحق اعتبره مراقبون مناورة سياسية تهدف إلى إبقاء مراكز القوى في حالة عدم استقرار دائم.
رصدت مصادر مطلعة مفارقة لافتة في البيانات الرسمية، حيث ظهر الفريق المقال عبد المجيد صقر في نشاط رسمي صباح يوم إقالته، مشاركاً رئيس الصومال في تفقد قوات مصرية. وبعد ساعات قليلة فقط، أعلن المتحدث العسكري عن استقبال السيسي لزاهر وصقر، حيث أدى الأول اليمين الدستورية وزيراً جديداً للدفاع بشكل مفاجئ.
يرى خبراء قانونيون أن هذا التعيين قد يشوبه عوار دستوري، نظراً لعدم عرض اسم الوزير الجديد على مجلس النواب وفقاً للمادة 147 من الدستور. كما أشار باحثون إلى احتمالية مخالفة المادة 234 التي تشترط موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، والذي لم يعقد اجتماعات رسمية منذ عدة أشهر.
يعد الفريق أول أشرف سالم زاهر، البالغ من العمر 52 عاماً، أحد المقربين من دوائر صنع القرار الرئاسية، حيث تولى سابقاً رئاسة الأكاديمية العسكرية المصرية. وقد برز دور الأكاديمية في السنوات الأخيرة كأداة لتشكيل وعي موظفي الدولة الجدد عبر برامج تدريب عسكرية مكثفة يشرف عليها زاهر مباشرة.
تأتي هذه التغييرات في ظل ملفات إقليمية ملتهبة تحيط بالأمن القومي المصري، بدءاً من أزمة سد النهضة وصولاً إلى تداعيات الحرب في غزة والصراع في السودان. ويربط محللون بين هذه الخطوة وبين رغبة الرئاسة في وجود قيادة عسكرية تدين بالولاء المباشر والمطلق لرأس السلطة دون امتلاك طموحات سياسية مستقلة.
اعتبر الخبير العسكري عادل الشريف أن السيسي يتبع استراتيجية تجعل من المؤسسة العسكرية 'صندوقاً مغلقاً' لا يملك مفاتيحه سوى الرئيس نفسه. وأوضح أن اختيار الشخصيات العسكرية بات يعتمد على معايير الولاء الوظيفي والقدرة على تنفيذ الأجندة الرئاسية دون نقاش، خاصة في ظل تزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.
السيسي يسعى لجعل الجيش قلعة سوداء لا يستطيع أحد الاقتراب من معلوماتها أو ميزانيتها، وهو وحده من يحدد من يجلس في مكتب الإدارة.
تشير القراءة التاريخية لعهود رؤساء مصر إلى تسارع وتيرة تغيير وزراء الدفاع في عهد السيسي مقارنة بأسلافه، حيث عين 4 وزراء خلال 12 عاماً. وبالمقارنة، فإن الرئيس الأسبق حسني مبارك لم يغير سوى 3 وزراء دفاع طوال فترة حكمه التي امتدت لثلاثة عقود، مما يعكس رغبة السيسي في منع تشكل مراكز قوى عسكرية دائمة.
شملت القرارات الجمهورية الأخيرة أيضاً ترقيات في صفوف قادة الأفرع الرئيسية، حيث تم ترفيع قائدي القوات البحرية والجوية إلى رتبة فريق. وتأتي هذه التحركات لتعزيز هيكلية القيادة الجديدة التي يبدو أنها صُممت لتكون أكثر انسجاماً مع التوجهات الرئاسية في المرحلة المقبلة التي تصفها المصادر بالحرجة.
ربط باحثون عسكريون بين سيناريو إقالة صقر وما حدث مع الفريق أول محمد زكي وقبله الفريق أسامة عسكر، حيث يتم إبعاد الشخصيات التي شاركت في أحداث 2013 تدريجياً. ويبدو أن السلطة تفضل الآن الاعتماد على جيل جديد من القادة الذين صعدوا في ظل النظام الحالي بعيداً عن كواليس التحولات السياسية الكبرى السابقة.
على الصعيد الإقليمي، يتزامن التغيير مع تقارير عن انخراط مصري أعمق في الملف السوداني وتنسيق متزايد مع الجانب التركي والصومالي. وتطرح هذه التطورات تساؤلات حول ما إذا كان وزير الدفاع الجديد قد اختير لتنفيذ مهام عسكرية خارجية محددة تتطلب تناغماً كاملاً مع الرؤية السياسية للدولة.
تحدثت تقارير إعلامية عن وجود تباينات صامتة داخل أروقة الحكم حول إدارة بعض الملفات الخارجية، مما دفع الرئاسة إلى حسم الموقف بتعيين شخصية أكاديمية عسكرية. الفريق زاهر، بخلفيته في الدفاع الجوي وإدارته للأكاديمية العسكرية، يمثل النموذج الذي يفضله النظام حالياً: الانضباط الأكاديمي والولاء المطلق.
تفاعل رواد مواقع التواصل الاجتماعي مع الخبر بتساؤلات حول دلالة تعيين وزير دفاع من جيل أصغر سناً (مواليد 1974)، وهو ما قد يشير إلى رغبة في ضخ دماء جديدة. إلا أن المعارضين يرون في ذلك مجرد استمرار لسياسة 'التدوير' التي تهدف إلى حماية النظام من أي تحركات داخلية محتملة للمؤسسة العسكرية.
في نهاية المطاف، يبقى لغز الإطاحة بعبد المجيد صقر مرتبطاً بطبيعة إدارة السلطة في مصر، التي تعتمد على المفاجأة والسرية في اتخاذ القرارات السيادية. ومع تولي أشرف زاهر مهامه، تترقب الدوائر السياسية كيف ستتعامل القيادة الجديدة مع التحديات الحدودية المتفاقمة والضغوط الدولية المتزايدة على القاهرة.





Share your opinion
لغز الإطاحة المفاجئة بوزير الدفاع المصري: دلالات التوقيت وخلفيات القرار