في تحذير أممي جديد يرفع مستوى القلق الدولي من مسار الأحداث في الضفة الغربية المحتلة، قال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك إن إسرائيل "ترسّخ ضمها غير القانوني" للأراضي الفلسطينية عبر توسيع سيطرتها المدنية، في خطوة يرى أنها لا تغيّر قواعد الإدارة فحسب، بل تعيد رسم الواقع السياسي والجغرافي على الأرض بطريقة تجعل قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة أمراً شبه مستحيل.
تورك، الذي تحدث الأربعاء، اعتبر أن القرارات الإسرائيلية الأخيرة ليست إجراءً بيروقراطياً عابراً، بل حلقة ضمن سلسلة متصاعدة تهدف إلى دمج الضفة الغربية تدريجياً داخل المنظومة الإسرائيلية، بما يرقى ـ وفق توصيفه ـ إلى الضم غير القانوني. ووفق مقاربة الأمم المتحدة، فإن نقل الصلاحيات المدنية إلى سلطات الاحتلال، أو توسيع نفوذها الإداري داخل المناطق الفلسطينية، يمثل تغييراً جوهرياً في وضع الإقليم المحتل، وهو ما تحظره قواعد القانون الدولي الإنساني.
وبحسب ما أُعلن عنه الأحد، تشمل التغييرات توسيع السيطرة المدنية الإسرائيلية في المنطقتين (أ) و(ب) من الضفة الغربية، حيث تقع غالبية المدن والبلدات الفلسطينية الرئيسية. وتُقدَّر هذه المساحة بنحو 40% من الأراضي المحتلة، وهي مناطق خضعت رسمياً لإدارة السلطة الفلسطينية منذ اتفاقيات أوسلو عام 1993. لكن ما يلفت في التحذير الأممي هو أنه يقرأ الخطوة كتحول من "إدارة احتلال" إلى "إدارة اندماج"، أي انتقال من التحكم الأمني غير المباشر إلى نفوذ مدني مباشر يفرض واقعاً جديداً دون إعلان رسمي بالضم.
ويرى تورك أن تنفيذ هذه القرارات سيُسرّع بلا شك من تهجير الفلسطينيين ونقلهم قسراً، وسيفتح الباب أمام إنشاء المزيد من المستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية. كما شدد على أن النتائج لن تتوقف عند البعد السكاني، بل ستطال الموارد الطبيعية والحقوق الأساسية، إذ سيؤدي هذا المسار إلى حرمان الفلسطينيين من أراضيهم ومصادرهم، وإلى تضييق إضافي على حقوقهم المدنية والاقتصادية والاجتماعية.
وتتضمن الإجراءات الجديدة ـ وفق ما ورد في البيان الأممي ـ تسهيلات أكبر أمام الإسرائيليين اليهود لتملك الأراضي بشكل خاص في الضفة الغربية، وهو ما قد يخلق ديناميكية جديدة للتوسع الاستيطاني، عبر نقل الاستيطان من نطاق "المشروع الحكومي" إلى نطاق "الملكية الفردية" التي يصعب قانونياً وسياسياً تفكيكها لاحقاً. هذا النوع من التحولات، وفق خبراء قانونيين، يجعل الاستيطان أكثر رسوخاً، ويحوّله من حالة قابلة للتفاوض إلى واقع ملكيات متشابكة.
وفي توصيفه للمشهد، قال تورك: “نشهد خطوات سريعة لتغيير التركيبة السكانية للأراضي الفلسطينية المحتلة تغييراً جذرياً، وتجريد سكانها من أراضيهم وإجبارهم على الرحيل”. هذا التوصيف يضع الإجراءات في إطار أوسع من مجرد توسع إداري، ويقاربها كسياسة شاملة تتكامل فيها أدوات متعددة: السيطرة المدنية، الاستيطان، القيود على الحركة، هدم المنازل، والاستيلاء على الأراضي.
ولا تقف القرارات عند حدود السيطرة على الأراضي المحتلة، بل تمتد إلى ملفات ذات حساسية دينية وثقافية عالية. فقد أشار تورك إلى نقل بعض الصلاحيات الإدارية من الفلسطينيين إلى إسرائيل في الخليل، بما في ذلك إدارة المسجد الإبراهيمي، وكذلك قبر راحيل في بيت لحم. وحذر من أن هذا المسار ينتهك الحقوق الثقافية للفلسطينيين في هذه المواقع، ويحوّل أماكن ذات رمزية جامعة إلى ساحات صراع على السيادة والهوية.
وبحسب المفوض السامي، يأتي قرار الأحد ضمن سياق أوسع من تصاعد العنف الإسرائيلي، والتهجير القسري، وهدم المنازل، وتقييد الحركة، والاستيلاء على الأراضي. وهو سياق باتت الأمم المتحدة ترى فيه "تراكمات" تفضي إلى نتيجة واحدة: تفكيك إمكانية الحل السياسي عبر خلق وقائع لا رجعة عنها. وفي هذا الإطار، لفت تورك إلى أن الخطابات والأفعال التي تُشجع على إخضاع الفلسطينيين تحظى بدعم مسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى، وهو ما اعتبره مخالفاً لالتزام إسرائيل ـ بصفتها قوة احتلال ـ بالحفاظ على النظام القانوني القائم والنسيج الاجتماعي.
على المستوى السياسي، يعكس التصعيد الأممي شعوراً بأن النقاش لم يعد حول "مفاوضات متعثرة"، بل حول "مسار حسم أحادي" يجري على الأرض. فحين تتوسع السيطرة المدنية داخل مناطق يُفترض أنها خاضعة لإدارة فلسطينية، يصبح اتفاق أوسلو نفسه عملياً بلا مضمون، وتتحول السلطة الفلسطينية إلى كيان إداري محدود الصلاحيات، بينما تتحول الضفة الغربية إلى فضاء مجزأ تُدار مفاصله الحقيقية من الطرف الأقوى.
أما على المستوى القانوني، فإن تحذير تورك يحمل رسالة مباشرة: المجتمع الدولي يملك توصيفاً واضحاً لما يحدث، لكنه يفتقر إلى أدوات الردع الفعلي. ولهذا ختم المفوض السامي موقفه بعبارات غير معتادة في حدتها داخل الخطاب الأممي: "يجب إلغاء هذه القرارات. يجب إخلاء المستوطنات. يجب إنهاء الاحتلال. الآن". وهي صياغة تقرأ، في جانب منها، كإقرار بأن "الوقت ينفد"، وأن النافذة السياسية تضيق بسرعة أمام أي تسوية عادلة.
وفي ظل استمرار هذه الإجراءات، تبدو الضفة الغربية أقرب إلى مرحلة "الضم الزاحف" الذي يتحقق بالتدريج عبر الإدارة والقانون والملكية والخرائط، لا عبر إعلان سياسي واحد. ومع كل خطوة جديدة، لا تتغير حياة الفلسطينيين اليومية فقط، بل يتغير أيضاً شكل الصراع نفسه: من صراع على الحدود إلى صراع على الحقوق داخل واقع مفروض.
تحذير تورك لا يقتصر على توصيف قانوني، بل يقدّم قراءة سياسية تقول إن إسرائيل تنقل الضفة من "إقليم محتَل" إلى “إقليم مُدار كجزء من الدولة” دون إعلان رسمي، لتفادي كلفة الضم المباشر. الخطر هنا أن المجتمع الدولي قد يكتفي بالتنديد، بينما تتراكم القرارات الإدارية لتصبح حقائق نهائية. حين تُدار المناطق (أ) و(ب) عملياً من الاحتلال، يتحول الحديث عن دولة فلسطينية إلى شعار بلا أرض.
وبحسب الخبراء، فإن الأخطر في القرارات الجديدة أنها تمزج بين السيطرة المدنية وتوسيع الملكية الفردية للمستوطنين، ما يخلق طبقة "حقوق مكتسبة" يصعب تفكيكها لاحقاً حتى لو تغيّرت الحكومات. هذا النوع من الاستيطان لا يكتفي بتغيير الجغرافيا، بل يعيد تشكيل الاقتصاد والموارد والممرات الحيوية. ومع نقل الصلاحيات في مواقع دينية كالمسجد الإبراهيمي وقبر راحيل، يصبح الصراع أيضاً على الهوية والرواية، لا على الأرض فقط.





Share your opinion
مسؤول أممي: إسرائيل تمضي نحو "ضمّ زاحف" للضفة… وتغلق عملياً نافذة الدولة الفلسطينية