تصدر ستيفن ميلر، نائب رئيس موظفي البيت الأبيض للشؤون السياسية ومستشار الأمن الداخلي، المشهد السياسي في واشنطن كأحد أكثر الشخصيات نفوذاً وتأثيراً في صياغة أجندة الرئيس دونالد ترامب. ويأتي هذا الصعود في وقت حساس تواجه فيه الإدارة الأمريكية انتقادات واسعة بسبب سياساتها المثيرة للجدل، خاصة مع اقتراب معركة انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل.
وأفادت مصادر بأن ميلر بات المحرك الرئيسي لسياسات الهجرة والتوجهات الخارجية، حيث عززت البداية السريعة للإدارة هذا العام من مكانته داخل أروقة البيت الأبيض. وقد وُصف ميلر بأنه المهندس الفعلي للأجندة المتشددة التي تسعى لتوسيع نطاق القوة الأمريكية، ليس فقط في الداخل بل وفي نصف الكرة الغربي بشكل عام.
وعاد اسم ميلر إلى الواجهة بقوة عقب حادثة مقتل المواطن الأمريكي أليكس بريتي في مدينة مينيابوليس برصاص ضباط هجرة فيدراليين الشهر الماضي. وكان ميلر قد سارع بوصف الضحية، الذي كان يعمل ممرضاً، بأنه 'إرهابي محلي'، وهي التصريحات التي أثارت غضباً عارماً بعد كشف مقاطع مصورة أن الرجل لم يشكل تهديداً مباشراً للضباط.
ورغم تراجع ميلر لاحقاً عن لهجته الحادة، معتبراً أن تقييمه الأولي استند إلى تقارير ميدانية غير دقيقة، إلا أن هذا التراجع لم يهدئ من روع المعارضين. فقد اتهمه نواب ديمقراطيون بتشويه سمعة الضحايا، واصفين سياساته بأنها 'متعطشة للدماء' وتضع أرواح المدنيين في خطر دائم نتيجة التحريض المستمر.
وفي سياق سياسات الترحيل، أشارت مصادر إلى أن ميلر دفع باتجاه زيادة وتيرة التوقيفات لتصل إلى 3 آلاف عملية يومياً، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ إدارات الهجرة الأمريكية. وقد انعكس هذا التوجه في تصعيد حملات الاحتجاز في مدن كبرى مثل شيكاغو وواشنطن، مما أدى إلى حالة من القلق الاجتماعي والقانوني الواسع.
وأكدت وزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم أن هذه الإجراءات الصارمة تُنفذ بتوجيه مباشر من الرئيس ترامب ومستشاره ميلر، مما يؤكد الدور المركزي للأخير. ومع ذلك، أظهرت استطلاعات الرأي تراجعاً ملحوظاً في تأييد هذه السياسات، حيث اعتبرت أغلبية المستطلعين أن أساليب إنفاذ القانون تجاوزت الحدود المقبولة.
نفوذ ميلر لم يتوقف عند الحدود الأمريكية، بل امتد ليشمل ملفات السياسة الخارجية الأكثر تعقيداً، بما في ذلك التخطيط للعمليات العسكرية. وكشفت تسريبات عن دوره المحوري في اتخاذ قرار الضربات الجوية ضد الحوثيين في اليمن، حيث كان هو من نقل 'الضوء الأخضر' من الرئيس إلى كبار مسؤولي الإدارة.
العالم تحكمه قوانين حديدية تقوم على القوة والسلطة والقدرة، وهي رؤية تنسجم تماماً مع توجه 'أمريكا أولاً'.
كما أُسندت إلى ميلر مهام الإشراف على عمليات عسكرية في منطقة الكاريبي لملاحقة مهربي المخدرات، وهي العمليات التي تطورت لتشمل ملفات سياسية كبرى. وقد ظهر ميلر ضمن الدائرة الضيقة المحيطة بترامب خلال إعلان نتائج العمليات المتعلقة بفنزويلا في منتجع مارالاغو، مما يعكس ثقة الرئيس المطلقة في قدراته التنفيذية.
ويرى مراقبون ومحللون سياسيون أن ميلر يمثل 'القوة التي لا تتراجع' في عقلية ترامب السياسية، وهو ما يجعله شخصية محورية لا يمكن الاستغناء عنها. ويراهن التيار المحافظ على أن الناخبين سيحكمون في نهاية المطاف على نجاعة سياسات الترحيل الجماعي التي يعد ميلر مهندسها الأول والوحيد.
وفيما يخص الرؤية الجيوسياسية، أثار ميلر جدلاً واسعاً بتصريحاته حول غرينلاند، حيث شكك في حق الدنمارك في السيطرة على الإقليم الاستراتيجي. واستند في رؤيته إلى ما وصفها بـ'القوانين الحديدية' التي تحكم العالم، والمبنية أساساً على منطق القوة والقدرة والسلطة، بعيداً عن الدبلوماسية التقليدية.
هذه التوجهات لم تثر حفيظة الخصوم فحسب، بل امتدت لتشمل انتقادات من داخل الحزب الجمهوري نفسه، حيث دعاه بعض السناتورات للالتزام بملفات محددة. ومع ذلك، يدافع الباحثون المقربون من تيار 'أمريكا أولاً' عن هذا النهج، معتبرين إياه تصحيحاً ضرورياً لموازين القوى الدولية التي لم تعد تخدم واشنطن.
ميلر، الذي بدأ مسيرته كناشط طلابي محافظ في كاليفورنيا ودرس في جامعة ديوك، حافظ على وفاء مطلق لترامب في أحلك الظروف السياسية. فقد رافق الرئيس في حملاته الانتخابية، وبقي إلى جانبه خلال أزمة اقتحام الكابيتول، وصولاً إلى العودة القوية للبيت الأبيض في الولاية الجديدة.
وتؤكد المتحدثة باسم البيت الأبيض أن ميلر يعمل بإخلاص لتنسيق جهود كافة أجهزة الحكومة لتنفيذ السياسات الرئاسية بسرعة قياسية وغير مسبوقة. وتعتبر الإدارة أن كفاءة ميلر في تحويل الوعود الانتخابية إلى واقع ملموس هي السبب الرئيسي وراء الهجمات السياسية المستمرة التي يتعرض لها من قبل المنظمات الليبرالية.
وفي الختام، تظل العلاقة الشخصية والسياسية المتينة بين ترامب وميلر هي الضمانة الأساسية لبقائه في منصبه رغم كل العواصف. وكما صرح بعض القادة في الكونغرس، فإن ميلر سيكون من القلائل الذين سيظلون في مواقعهم حتى اللحظات الأخيرة من عهد ترامب، مما يجعله أحد أقوى صناع القرار في أمريكا المعاصرة.





Share your opinion
مهندس سياسات ترامب في مرمى النيران: ستيفن ميلر يواجه غضباً سياسياً قبيل انتخابات الكونغرس