Thu 12 Feb 2026 3:57 pm - Jerusalem Time

فلسفة المواجهة: لماذا لا تنتظر المقاومة إذن القعود في معارك الحرية؟

في ظل أزمنة الاختلال الكبرى التي تشهدها المنطقة، تبرز تساؤلات حول معايير القوة والحق، حيث يحاول البعض تصوير المقاومة كنوع من التهور. إن هذا الطرح يغفل حقيقة أن المدافع عن بيته يمارس حقاً طبيعياً، بينما يسعى المعتدي لفرض واقع مزيف يجعل من عدوانه قدراً لا يمكن رده.

تعتبر محاولات تحميل الضحية مسؤولية الدمار الذي يلحق بها سقطة أخلاقية ووعياً مشوهاً يخدم أجندة الجلاد. فالمحتل هو المنبع الأساسي للعنف، ولوم من يقول 'لا' في وجه الظلم هو إهانة للكرامة الإنسانية قبل أن يكون خطأً في التقدير السياسي.

إن الجلاد لا يحتاج في العادة إلى ذرائع لممارسة بطشه، بل إن شهيته للعدوان تتغذى على الركود والاستسلام أكثر مما تستفزها المقاومة. ومن هنا، فإن من يبرئ السكين ويلوم العنق يكرس منطق الخضوع تحت ستار 'الواقعية' السياسية التي لا تخدم سوى المستعمر.

يروج البعض لوهم مفاده أن فعل المقاومة يحتاج إلى إجماع شعبي كامل أو تفويض عبر صناديق الاقتراع قبل البدء في مواجهة المحتل. غير أن التاريخ يعلمنا أن لحظات الوجود المصيرية لا تُدار بمنطق استطلاعات الرأي، بل تقودها طليعة مؤمنة بحقها في الكرامة.

تميل النفس البشرية بطبيعتها إلى طلب السلامة والهدوء، لكن الشعوب لا تُستفتى على حقها في الوجود حين يكون مهدداً بشكل مباشر. ممارسة الحق في الدفاع عن النفس هي فعل وجودي يسبق أي ترتيبات إدارية أو توافقات سياسية مؤقتة.

في كل حقبة تاريخية، تظهر أصوات تدعو للرضوخ تحت مسمى 'الحكمة'، محاولة إقناع الجماهير بأن التنازل هو الطريق الوحيد للسلام. هؤلاء يقدمون بقايا الحياة على المخاطرة في سبيل الكرامة، متجاهلين أن هذا الطريق يؤدي في النهاية إلى استعباد دائم ومذلة مستمرة.

إذا نظرنا في أرشيف الأمم من شرق الأرض إلى غربها، فلن نجد شعباً واحداً نال سيادته عبر التوسل أو الانحناء للمحتل. السيادة تُنتزع انتزاعاً، والتاريخ لا يحترم إلا القادرين على صياغة مصيرهم بدمائهم وتضحياتهم المستمرة.

هل استعاد الفيتناميون أرضهم عبر التعايش مع الغازي، أم هل نال الجزائريون حريتهم من خلال التنسيق مع المستعمر؟ الإجابة تكمن في تضحيات الملايين الذين أدركوا أن نصائح الهزيمة ليست سوى مسكنات مؤقتة تزيد من أمد الاحتلال.

إن قياس الأمور بميزان القوة المادية البحتة يجعل من المقاومة تبدو كفعل متهور، لكن الإرادة والحق قيمتان لا يمكن حصرهما في لغة الأرقام. المقاومة في جوهرها هي فعل إيمان عميق بجدوى التضحية من أجل مستقبل أفضل للأجيال القادمة.

التهور الحقيقي يكمن في ترك الظلم يتمدد دون مواجهة، ظناً من البعض أن الصمت قد يشتري الأمان أو يوقف آلة القتل. إن ثمن الاستسلام يُدفع يومياً من كرامة الإنسان وأرضه، بينما تضع المواجهة حداً لانحدار قيمي ووجودي لا نهاية له.

تمثل المقاومة انحيازاً أخلاقياً صارماً للإنسان في مواجهة القهر، وهي الصرخة التي تعلن أن الكرامة ليست سلعة قابلة للتفاوض. حين تختار الشعوب هذا المسار، فهي لا تبحث عن الموت، بل تختار شكل الحياة الذي يليق بالأحرار ويرفض العبودية.

تؤكد التجارب الإنسانية أن الطريق نحو الحرية طويل وثمنه باهظ جداً، لكن الشعوب التي تمسكت بكرامتها هي الوحيدة التي أنارت دروب المستقبل. أما المرجفون الذين يلومون المقاومة في أوقات الألم، فهم غالباً من يتصدرون المشهد عند تحقيق النصر.

ليست المقاومة ترفاً فكرياً يمارسه المنظرون، بل هي ضرورة وجودية تفرضها الظروف حين يصبح الحق في الحياة مهدداً بالزوال. إن الوعي التاريخي يتطلب إدراك أن الحقوق لا تُهدى من قبل القوى الاستعمارية، بل تُنتزع بالصبر والمسؤولية.

ستبقى الشعوب التي تختار العيش بكرامة قادرة على رسم مسارها الخاص، بعيداً عن ضجيج المنهزمين والمشككين في جدوى النضال. فالحرية في نهاية المطاف لا تنتظر إذناً من أحد، بل تُصاغ بإرادة صلبة لا تعرف الانكسار أمام جبروت القوة.

Tags

Share your opinion

فلسفة المواجهة: لماذا لا تنتظر المقاومة إذن القعود في معارك الحرية؟

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.